يثير مشهد الأطفال الذين يستجدون المارة عند المفارق والشوارع الرئيسية في عدد من المدن العربية، وفي مقدمتها الناصرة، تعاطفًا واسعًا لدى المواطنين، إلا أن مختصين وناشطين يؤكدون أن هذه الظاهرة قد تخفي وراءها واقعًا أكثر خطورة يتمثل في استغلال الأطفال والاتجار بهم، محذرين من أن تقديم المال لهم، رغم حسن النية، قد يساهم في استمرار هذه الممارسات.
وجاء ذلك خلال متابعة خاصة أجراها راديو الناس ضمن برنامج "استديو المساء"، حيث استعرض ضيوف البرنامج أبعاد الظاهرة القانونية والاجتماعية والإنسانية، داعين إلى التعامل معها من منظور حماية الأطفال لا من منطلق التعاطف وحده.
المواطن إلياس خليف: ما نشاهده هو استغلال ممنهج للأطفال
"استديو المساء" مع محمد مجادلة
02:42
وقال إلياس خليف، أحد سكان مدينة الناصرة، إنه يلاحظ يوميًا تزايد أعداد الأطفال الذين يقفون عند المفارق طلبًا للمال، معتبرًا أن وصفهم بـ"المتسوّلين" لا يعكس حقيقة ما يجري.
وأضاف أن ما يشاهده هو استغلال ممنهج لأطفال قاصرين يقضون ساعات طويلة في الشوارع، أحيانًا حتى ساعات الليل، في ظروف تعرض حياتهم للخطر وتحرمهم من حقهم الطبيعي في التعليم والحياة الآمنة.
وأشار خليف إلى أن استمرار تقديم المال لهؤلاء الأطفال، رغم أنه نابع من التعاطف، يشجع الجهات التي تقف وراء تشغيلهم على مواصلة استغلالهم، داعيًا الجمهور إلى الامتناع عن إعطاء الأموال لهم والبحث عن طرق أخرى لمساعدتهم عبر المؤسسات المختصة.
الظاهرة أكبر من كونها تسول فقط
من جانبه، قال المحامي عمر خمايسي، مدير مركز ميزان لحقوق الإنسان، إن الظاهرة لا تقتصر على التسول، بل تشكل في كثير من الحالات جريمة اتجار بالبشر واستغلالًا للأطفال.
وأوضح أن هناك، وفق المعلومات التي عرضها، جهات تقوم باستغلال أطفال قاصرين، بعضهم دون الثانية عشرة من العمر، عبر نقلهم من مناطق في الضفة الغربية وتشغيلهم في التسول داخل إسرائيل، فيما يجني القائمون على استغلالهم مبالغ مالية كبيرة.
المحامي عمر خمايسي: مواجهة الظاهرة تتطلب تعاونًا بين الجهات الرسمية ومؤسسات الرعاية والمجتمع
"استديو المساء" مع محمد مجادلة
10:20
وأضاف خمايسي أن مركز ميزان نقل في السابق معلومات إلى الشرطة بشأن مواقع وجود الأطفال والجهات التي يشتبه باستغلالها لهم، إلا أنه انتقد ما وصفه بعدم وجود معالجة حازمة للظاهرة، مشيرًا إلى أن الأطفال غالبًا ما يُعادون إلى مناطقهم دون اتخاذ خطوات كفيلة بمنع استغلالهم مجددًا.
كما أشار إلى أن بعض العائلات قد تكون جزءًا من دائرة الاستغلال، سواء من خلال السماح للأطفال بالتسول أو الاستفادة من العائدات المالية، مؤكدًا أن ذلك يهدد مستقبل الأطفال ويعرضهم لمخاطر جسيمة.
وشدد على أن مواجهة الظاهرة تتطلب تعاونًا بين الجهات الرسمية ومؤسسات الرعاية والمجتمع، إلى جانب رفع مستوى الوعي بأن تقديم المال للأطفال في الشوارع قد يطيل أمد استغلالهم، وأن المساعدة الحقيقية تكون عبر الإبلاغ عن الحالات للجهات المختصة ودعم المؤسسات التي تقدم المساندة للعائلات المحتاجة.
وختم خمايسي بالتأكيد على أن حماية الأطفال تبدأ بإدراك أن القضية ليست مجرد تسول، بل ملف إنساني وقانوني معقد يستوجب معالجة شاملة تستهدف شبكات الاستغلال وتحمي الأطفال من الوقوع ضحايا لها.



