هدمت السلطات الإسرائيلية، صباح اليوم الخميس، مصلحة تجارية في بلدة دبورية، رغم محاولات صاحبها والمجلس المحلي منع تنفيذ الهدم، في خطوة أثارت استياءً وتساؤلات بشأن سياسة الهدم والإنفاذ في البلدات العربية، خصوصًا في ظل النقص في المناطق الصناعية والمساحات المخصصة لإقامة المصالح التجارية.
وفي حديث لراديو الناس، قال رئيس مجلس دبورية المحلي، رفعت عزايزة، إن المجلس قدّم أوراقًا ومستندات رسمية للجهات المختصة، مؤكدًا أن عملية الهدم نُفذت دون مبرر، رغم الجهود المبذولة لمعالجة القضية.
من جانبه، روى صاحب المصلحة التجارية، أحمد مصالحة، تفاصيل ما جرى، موضحًا أن المصلحة قائمة في المكان منذ عشرات السنوات، وتضم منجرة وأعمالًا في مجال الأخشاب والنقل، وتوفر مصدر رزق لنحو 30 إلى 35 عاملًا، إلى جانب عائلات أخرى تستفيد من نشاطها الاقتصادي.
مصلحة قائمة منذ عشرات السنوات وتسوية قضائية سابقة
أحمد مصالحة: أجبروني على هدم ما بنيته بيدي
المنتصف مع محمد مجادلة
11:28
وأوضح مصالحة أن نشاطه التجاري يعود إلى عام 1985، وأن المصلحة قائمة في موقعها الحالي منذ تسعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أنه واجه في عام 1999 إشكالية قانونية مع السلطات، وتوجّه على إثرها إلى المحكمة في بيسان، حيث جرى التوصل، بحسب روايته، إلى تفاهمات سمحت باستمرار عمل المصلحة في ظل غياب منطقة صناعية منظمة في دبورية.
وقال إن البلدة لا تزال تفتقر إلى منطقة صناعية تلبي احتياجات أصحاب المصالح التجارية، مضيفًا أن مخطط المنطقة الصناعية قطع مراحل متقدمة، ولم يتبقَّ، وفق ما أبلغه به المجلس المحلي، سوى استكمال إجراء رسمي واحد للمصادقة عليه.
وأشار إلى أن المصلحة تعرضت لحريق في التاسع والعشرين من أيار 2025، ما دفعه إلى تنفيذ أعمال ترميم لإعادة تشغيلها، إلا أنه فوجئ بعد ذلك، خلال تموز أو آب من العام نفسه، بتلقي أمر هدم يتعلق بالمبنى.
واعتبر مصالحة أن أعمال الترميم التي أعقبت الحريق كانت السبب المباشر في إعادة فتح ملف المصلحة واتخاذ إجراءات الهدم بحقها، مؤكدًا أن المكان كان يعمل طوال سنوات دون تدخل مماثل.
"طلبوا مني أن أهدم مصلحتي بيدي"
وفي وصفه للأيام الأخيرة التي سبقت الهدم، قال مصالحة إنه تواصل مع مسؤولين في الجهات المختصة، وشرح لهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمصلحة، بما في ذلك ارتباط عشرات العمال والعائلات بها.
وأضاف أنه استنفد المسارات القضائية المتاحة أمامه، وانتقل بين المحاكم المختلفة، وتكبّد تكاليف مالية في محاولة لمنع الهدم، لكنه وجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى إخلاء المكان والبدء بتفكيكه بنفسه.
وأوضح أنه تلقى قبل نحو عشرة أيام إخطارًا يطالبه بإخلاء المصلحة وتنظيف الموقع، مشيرًا إلى أنه بدأ بالفعل بتنفيذ الأعمال المطلوبة، وأطلع المسؤولين بصورة متواصلة على تقدم عملية التفكيك.
وقال مصالحة: "أنا مواطن ملتزم بالقانون، ولما أنزل مصلحتي اللي عمرها أكثر من 40 سنة بإيدي، أنا برضه ملتزم بالقانون"، معربًا عن شعوره بالعجز أمام الإجراءات التي انتهت بهدم مصدر رزقه بعد سنوات طويلة من العمل.
خلاف على توقيت الهدم ومراعاة ظروف البلدة
وكشف مصالحة أن خلافًا نشأ مع أحد المسؤولين بشأن وتيرة تنفيذ أعمال التفكيك، موضحًا أنه طلب تأجيل العمل يومًا واحدًا بسبب وفاة شاب من دبورية، ومرور الجنازة بالقرب من موقع المصلحة.
وقال إنه أبلغ المسؤول المعني بعدم قدرته على مواصلة أعمال الهدم خلال مراسم الجنازة، وتعهد باستئناف العمل في اليوم التالي، مؤكدًا أنه كان قد بدأ بالفعل بتفكيك المصلحة، وأن بحوزته مراسلات وإثباتات توثق تواصله مع الجهات المسؤولة.
ورغم ذلك، فوجئ صباح الخميس بوصول قوات كبيرة لتنفيذ الهدم، معتبرًا أن الإجراءات المتخذة لم تراعِ تعاونه السابق ولا الظروف الاجتماعية التي شرحها للمسؤولين.
اتهامات بتوظيف الهدم سياسيًا قبيل الانتخابات
وانتقد مصالحة حجم القوات التي رافقت عملية الهدم، معتبرًا أن الحشد الأمني كان مبالغًا فيه، في وقت تعاني فيه البلدات العربية من تصاعد الجريمة والعنف وإطلاق النار.
وقال إن تخصيص جزء من هذه القوات لمواجهة الجريمة في البلدات العربية كان من شأنه، برأيه، أن يحدث فرقًا في مستوى الأمن الشخصي للسكان.
واتهم مصالحة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بالسعي إلى توظيف عمليات الهدم في حملته الانتخابية، معتبرًا أن ما جرى في دبورية يأتي ضمن سياسة أوسع تستهدف المواطنين العرب ومصالحهم الاقتصادية.
وأضاف أن شعوره بالاستهداف لا ينبع من عملية الهدم وحدها، بل من تجاهل الظروف التي يعيشها أصحاب المصالح التجارية في البلدات العربية، وعدم توفير مناطق صناعية منظمة تتيح لهم العمل والتوسع بصورة قانونية.
وتبقى هذه الاتهامات ضمن تصريحات صاحب المصلحة، دون أن تتضمن المقابلة ردًا من الجهات الحكومية المعنية بشأن دوافع تنفيذ الهدم وتوقيته.
عشرات العائلات أمام تداعيات اقتصادية واجتماعية
وحذر مصالحة من التداعيات الاقتصادية للهدم، موضحًا أن المصلحة لم تكن مصدر دخل شخصيًا له فحسب، بل وفرت فرص عمل لنحو 30 إلى 35 عاملًا، بينهم ما بين 15 و20 يعملون في مجال النقل، فيما يعمل الآخرون داخل المصلحة.
وأشار إلى أن نشاط المحل كان يرتبط أيضًا بعائلات تستفيد من عائدات الإيجارات والخدمات المرتبطة به، ما يجعل تداعيات الهدم تتجاوز خسارة المبنى إلى المساس بمصادر رزق عدد من الأسر.
وفي ختام حديثه، دعا مصالحة إلى تعزيز التضامن بين أبناء المجتمع العربي، محذرًا من أن أصحاب المصالح الصغيرة قد لا يتمكنون من تحمل الخسائر المادية التي تترتب على عمليات الهدم.
وتعيد القضية تسليط الضوء على أزمة التخطيط والمناطق الصناعية في البلدات العربية، والعقبات التي تواجه أصحاب المصالح التجارية في تسوية أوضاع منشآتهم، خصوصًا عندما تتداخل الإجراءات القانونية مع غياب البدائل التخطيطية المتاحة.
وتأتي عملية الهدم قبل أقل من ثلاثة أسابيع من انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول، في وقت يتصاعد فيه الجدل السياسي والجماهيري حول سياسات الهدم وإنفاذ قوانين البناء في البلدات العربية.





