ليست كل الحروب تُخاض بالصواريخ فقط. أحيانًا، تُدار أيضًا بالمكسرات. في الأسبوع الأول من الحرب، وبينما كانت العناوين تتحدث عن منشآت نووية وصواريخ باليستية، كانت ضربة أخرى تمرّ بهدوء: استهداف رفسنجان، عاصمة (الفستق الحلبي) الإيراني.
من الحقول إلى بنك الأهداف
وفق تقرير لموقع Drop Site، أظهرت صور أقمار صناعية ضربات في محيط رفسنجان، شملت ما وُصف بأنه مخازن فستق قرب المطار. المدينة ليست تفصيلًا عابرًا: هي قلب صناعة تمتد جذورها لقرون، وكانت حتى وقت قريب عنوان الهيمنة الإيرانية على هذا السوق.
الاستهداف هنا لا يبدو عشوائيًا. فعندما تُقصف البنية التحتية لصناعة زراعية محددة، يصبح السؤال: هل نحن أمام حرب تُعيد رسم سلاسل التوريد العالمية؟
صعود كاليفورنيا... وسقوط طهران
تقرير موازٍ نشرته صحيفة نيويورك تايمز يروي القصة من الضفة الأخرى: كيف تحوّلت كاليفورنيا خلال عقود إلى “ملك الفستق” عالميًا. اليوم، تسيطر الولايات المتحدة على نحو 65% من الإنتاج العالمي، فيما تراجعت حصة إيران إلى حوالي 18%.
هذه القفزة لم تأتِ فقط من المناخ المناسب أو الاستثمارات الزراعية. العقوبات، الرسوم الجمركية، والتقلبات الإنتاجية في إيران، كلها عوامل مهّدت الطريق. لكن الحرب الحالية تضيف عنصرًا جديدًا: التعطيل المباشر.
فحركة الشحن عبر مضيق هرمز تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة، ما يقيّد صادرات إيران نحو أوروبا والصين. النتيجة؟ سوق عالمي أقل تنافسية، وأسعار مرشحة للارتفاع.
عندما تلتقي السياسة بالأرباح
في الخلفية، تظهر رواية أكثر حساسية. فيلم وثائقي بعنوان “حروب الفستق” (2025) يتحدث عن عائلة ريسنيك، أحد أكبر اللاعبين في صناعة الفستق الأميركية، وعلاقاتها بدوائر ضغط مؤيدة لإسرائيل.
الفيلم يذهب أبعد من ذلك، رابطًا بين السياسات المتشددة تجاه إيران ومصالح تجارية مباشرة: كلما ضعف المنافس، ارتفعت الأرباح. لا يقدم الفيلم أدلة قاطعة، لكنه يضع فرضية يصعب تجاهلها في سياق الحرب
الحرب التي تُعيد ترتيب السوق
الفستق لم يعد مجرد منتج زراعي. الطلب العالمي عليه ارتفع بشكل حاد، مدفوعًا بالموضة الصحية ومنتجات مثل “شوكولاتة دبي” التي حوّلته إلى مكوّن فاخر.
في هذا السوق المتضخم، خروج لاعب بحجم إيران — سواء بالعقوبات أو بالصواريخ — ليس تفصيلًا. هو إعادة توزيع للثروة.
بين القصف والسوق... خط رفيع
في المحصلة، ما يجري يتجاوز الرواية التقليدية للحرب. استهداف رفسنجان، تقييد الشحن، وارتفاع الأسعار، كلها عناصر تصب في اتجاه واحد: إضعاف منافس تاريخي في سوق عالمي مربح.
قد لا تُعلن واشنطن ذلك صراحة. لكن في اقتصاد الحروب، الرسائل لا تُقال دائمًا بالكلمات… بل تُقاس بالأطنان التي لم تُصدَّر.



