أطباء بلا تخصص وآخرون بلا عمل رغم النقص: أزمة خريجي الطب تعود إلى الواجهة

طبيبة أنهت تعليمها ونجحت بامتحان مزاولة المهنة تقول إنها بقيت بلا عمل أو توجيه بعد الاستاج، وبروفيسور بشارة بشارات يحذر من "بارادوكس إسرائيلي"

1 عرض المعرض
مستشفى - صورة توضيحية
مستشفى - صورة توضيحية
مستشفى - صورة توضيحية
(Flash90)
تتجدد أزمة خريجي الطب الذين أنهوا دراستهم في الخارج ونجحوا في امتحانات مزاولة المهنة، لكنهم لا يجدون أماكن للتخصص في المستشفيات، في وقت يواصل فيه الجهاز الصحي الحديث عن نقص متزايد في الأطباء والطواقم الطبية. وتطرح هذه الأزمة أسئلة صعبة حول آليات الاستيعاب، ومعايير قبول الأطباء الجدد، ومستقبل مئات، بل آلاف الخريجين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين شهادة الطب وغياب فرصة التخصص.
وقالت الدكتورة مايا نجيب حاج، وهي طبيبة درست في مولدوفا وأنهت تعليمها عام 2023 ونجحت في امتحان مزاولة العمل من المرة الأولى، إن الطريق إلى مرحلة الاستاج كان سلسًا، لكنها شعرت بعد إنهائه بحالة "ضياع" كاملة، في ظل غياب أي توجيه واضح أو جهة ترشد الأطباء الجدد إلى أماكن التخصص المتاحة.

"أنهيت التدريب العملي وبقيت بلا عمل"

د. مايا نجيب حاج: "أنهيت التدريب العملي وبقيت بلا عمل"
غرفة الأخبار مع فراس خطيب
06:21
وأوضحت حاج، في حديث لراديو الناس، أنها قدّمت طلبات إلى مستشفيات وجهات طبية عديدة، لكنها لم تتلق ردودًا جدية أو دعوات لمقابلات عمل. وأضافت أن الطبيب الذي لا يحصل على تخصص يبقى عمليًا بلا مسار مهني واضح، إذ لا يمكنه التقدم في حياته الطبية كما يجب، حتى لو عمل في مراكز طبية خارجية أو في أطر طوارئ محلية.
وقالت حاج: "بعد الاستاج شعرت بالضياع. لا يوجد توجيه، ولا أحد يقول لك إلى أين تذهب أو كيف تحصل على مكان للتخصص". وأضافت أن ما تسمعه من زملاء كثيرين هو أن من يملك "واسطة" أو علاقات يستطيع الوصول إلى مكان تخصص بسرعة أكبر، بينما يبقى آخرون في الانتظار لفترات طويلة.
وأشارت إلى أنها أدت الاستاج في مستشفى بيلنسون، لكنها شعرت بوجود تفضيل لطلاب الجامعات الإسرائيلية أو طلاب برامج التبادل القادمين من الخارج، مقابل صعوبة أكبر أمام خريجي الجامعات الأجنبية، خصوصًا من دول مثل مولدوفا ودول شرق أوروبا. وقالت إن بعض الخريجين يشعرون بأنهم "يوضعون جانبًا" رغم اجتهادهم خلال التدريب العملي.

بشارة بشارات: هذا هو "البارادوكس الإسرائيلي"

بروفيسور بشارة بشارات: المشكلة قد تتفاقم خلال السنوات المقبلة
غرفة الأخبار مع فراس خطيب
10:47
من جانبه، وصف بروفيسور بشارة بشارات، رئيس جمعية تطوير صحة المجتمع العربي، الأزمة بأنها "البارادوكس الإسرائيلي"، موضحًا أن إسرائيل تعاني نقصًا في الأطباء مقارنة بمعدل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتحتاج إلى ما بين 3000 و4000 طبيب إضافي للوصول إلى المعدل المطلوب، بينما يوجد في المقابل آلاف الأطباء الذين أنهوا تعليمهم ولا يجدون أماكن للتخصص.
وقال بشارات إن هناك خلافًا في تقدير حجم المشكلة بينه وبين وزارة الصحة، إذ تتحدث الوزارة، بحسب قوله، عن نحو 400 طبيب عاطل عن العمل، بينما يؤكد هو أن الأعداد تصل إلى الآلاف، مستندًا إلى الاتصالات اليومية التي تصله من أطباء يبحثون عن فرصة أو وساطة للوصول إلى مقابلات وتخصصات.

المشكلة قد تتفاقم خلال السنوات المقبلة

وحذر بشارات من أن الأزمة المستقبلية قد تكون أصعب، لأن عدد خريجي كليات الطب في إسرائيل آخذ بالارتفاع بعد افتتاح وزيادة مقاعد عدة كليات طب. ووفق تقديره، فإن إسرائيل قد تصل خلال 5 سنوات إلى تخريج ما بين 1600 و1800 طبيب سنويًا من الجامعات المحلية، وهو رقم قريب من الحاجة السنوية للجهاز الصحي.
وبناء على ذلك، وجّه بشارات رسالة واضحة للأهالي والطلاب الذين يفكرون بدراسة الطب خارج البلاد، قائلًا إن من لا يُقبل في كليات الطب داخل إسرائيل يجب أن يدرس السوق جيدًا قبل السفر إلى الخارج، لأن الأولوية ستكون أكثر فأكثر لخريجي الجامعات الإسرائيلية، وقد تصبح فرص خريجي الخارج أصعب مما هي عليه اليوم.

تفضيل واضح لخريجي جامعات معينة

وأوضح بشارات أن هناك تفضيلًا في المستشفيات، لدى مديرين عرب ويهود، لخريجي جامعات بعينها، بينها الجامعات الإسرائيلية، وكذلك جامعات فلسطينية وأردنية تحظى بسمعة جيدة مثل جامعة النجاح، جامعة القدس أبو ديس، والجامعات الأردنية. وفي المقابل، قال إن خريجي بعض دول شرق أوروبا يواجهون صعوبة أكبر في الوصول إلى مقابلات أو تخصصات، إذ يُرفض بعضهم بمجرد رؤية الجامعة التي تخرجوا منها، دون فحص جدي لقدراتهم.
وشدد بشارات على أن المطلوب ليس قبول أي طبيب تلقائيًا، بل منحه فرصة عادلة للمقابلة أو الامتحان. وقال إن رفض الخريجين فقط لأنهم درسوا في أوكرانيا أو مولدوفا أو دول أخرى أمر غير منصف، لأن بعضهم قد يكون أفضل من خريجين محليين إذا أُتيحت لهم فرصة التقييم.

طب الأسرة في المجتمع العربي: نقص حاد في التخصص

وأشار بشارات إلى أن المجتمع العربي بحاجة ماسة إلى أطباء متخصصين، خصوصًا في طب الأسرة. وقال إن نحو 81% من أطباء الأسرة في المجتمع العربي يعملون من دون تخصص في طب العائلة، مقابل نحو 19% فقط يحملون هذا التخصص، ما يعكس حاجة كبيرة لاستيعاب مئات الأطباء في هذا المجال وغيره من المجالات المطلوبة.
ودعا إلى استيعاب الأطباء الموجودين اليوم، وعددهم بالآلاف بحسب تقديره، في تخصصات يحتاجها المجتمع العربي والجهاز الصحي عمومًا، بدل تركهم خارج المنظومة، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا منهم أنهى التعليم والامتحانات ويملك القدرة على الاندماج إذا توفرت الآليات المناسبة.

بين الواسطة والفرصة العادلة

وفي ما يتعلق بالحديث عن المحسوبيات، قال بشارات إن الظاهرة موجودة لكنها، بحسب تقديره، ليست واسعة كما يعتقد البعض. وأوضح أن تدخله لدى مديري المستشفيات يهدف غالبًا إلى تمكين الطبيب من الوصول إلى مقابلة أو امتحان، وليس إلى فرض قبوله، مؤكدًا أن المطلوب هو كسر حاجز الرفض المسبق ومنح الخريجين فرصة عادلة لإثبات قدراتهم.