تتسع المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولم تعد تقتصر على تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، بل امتدت إلى صراع على المعايير والمؤسسات والبنية التحتية وسلاسل التوريد والشراكات التي ستحدد مستقبل هذه الصناعة عالميًا.
وتتبنى بكين إستراتيجية تقوم على توفير نماذج متطورة بتكاليف منخفضة، ونشر نماذج ذات أوزان مفتوحة، وتوسيع التعاون والتدريب والبنى التحتية مع دول الجنوب العالمي، إلى جانب إنشاء مؤسسات دولية تقودها الصين.
منظمة عالمية بقيادة صينية
برزت هذه الإستراتيجية خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، في تموز/ يوليو 2026، حيث أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ إنشاء "منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي" (WAICO)، بالتزامن مع إطلاق شركة "Moonshot AI" الصينية نموذج "Kimi K3".
وتسعى المنظمة، التي يقع مقرها في شنغهاي وتضم في مرحلتها الأولى 29 دولة مؤسسة، معظمها من دول الجنوب العالمي، إلى إقامة إطار دائم للتعاون في الذكاء الاصطناعي، يشمل تدريب الكوادر والبحث المشترك ووضع المعايير وتقليص الفجوات الرقمية وتوسيع الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وطرح شي أربعة مبادئ لإدارة الذكاء الاصطناعي عالميًا، تشمل الانفتاح التكنولوجي وتشجيع النماذج ذات الأوزان المفتوحة، وإدارة المخاطر، ومراعاة التنوع الثقافي والقيمي بين الدول، واعتماد نهج متعدد الأطراف بقيادة الأمم المتحدة مع مساعدة دول الجنوب العالمي على تطوير قدراتها.
كما أعلنت الصين خططًا لتدريب 5 آلاف متخصص في الذكاء الاصطناعي من الدول النامية خلال 5 سنوات، وإقامة مراكز تعاون مع "آسيان" و"بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ودول أميركا اللاتينية والكاريبي، إضافة إلى إتاحة نظام إنذار جوي قائم على الذكاء الاصطناعي لـ30 دولة.
إستراتيجيتان متنافستان
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها من خلال السيطرة على التقنيات الأساسية وسلاسل القيمة، وخصوصًا الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها والبنية التحتية للحوسبة والنماذج الرائدة، إلى جانب القيود المفروضة على وصول الصين إلى التقنيات المتطورة.
وبينما تراهن واشنطن على التفوق التكنولوجي والتعاون مع حلفائها، تراهن بكين على إتاحة التكنولوجيا بأسعار أقل، والنماذج المفتوحة، والتدريب والبنية التحتية وإنشاء مؤسسات متعددة الأطراف، في محاولة لبناء كتلة دولية تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الصينية.
نماذج صينية تنافس عالميًا
وأظهرت نماذج صينية، بينها "DeepSeek R1" و"Qwen" و"GLM" و"ERNIE"، قدرة الصناعة الصينية على إنتاج نماذج متقدمة تنافس عالميًا، رغم القيود الأميركية المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين.
وتكمن أهمية هذه النماذج بالنسبة لبكين في أنها قد توفر بديلًا عمليًا للمنظومة الأميركية؛ إذ لا تحتاج الصين بالضرورة إلى التفوق في جميع اختبارات الأداء، بقدر حاجتها إلى تقديم نماذج قوية ومنخفضة التكلفة ومتاحة على نطاق واسع. ومع ازدياد الاعتماد عليها، قد تتشكل حولها منظومة من التطبيقات والمطورين والخبرات تجعل الانتقال لاحقًا إلى بدائل أخرى أكثر كلفة وصعوبة.
ماذا يعني الصراع بالنسبة لإسرائيل؟
بحسب التحليل، قد تنعكس المنافسة الأميركية–الصينية مباشرة على إسرائيل في مجالات الأمن والسياسة الخارجية والابتكار وسلاسل التوريد، خصوصًا مع تحول الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مورد إستراتيجي مرتبط بالأمن القومي وقيود التصدير.
ويرى التحليل أنه لا توجد، في المرحلة الحالية، مصلحة إسرائيلية في الانضمام إلى منظمة "WAICO"، نظرًا إلى أنها لا تزال في بدايتها، ولأن الانضمام إليها قد يثير احتكاكًا مع الولايات المتحدة ويعقّد اندماج إسرائيل في الأطر التكنولوجية الغربية.
ويوصي بتعميق التعاون الإسرائيلي مع الولايات المتحدة وشركاء غربيين في مجالات الرقائق والحوسبة والبحث والمعايير، ومتابعة تطور المنظمة الصينية والدول المنضمة إليها، إلى جانب وضع سياسة وطنية لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الأجنبية، خصوصًا في المؤسسات الحكومية والبنى التحتية الحيوية والأجهزة الأمنية.


