للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة عقود، هبط سعر صرف الدولار الأميركي إلى ما دون مستوى 3 شواقل، في تطور مالي لافت يثير تساؤلات واسعة بشأن أسبابه وتداعياته على الاقتصاد الإسرائيلي، بين من يراه مؤشرًا على قوة الشيقل وانفراجات سياسية محتملة، ومن يحذر من أثره السلبي على التصدير والإنتاج المحلي.
وفي مقابلة مع "راديو الناس"، قال الخبير في الشؤون الاقتصادية د. وائل كريم إن هذا الانخفاض، رغم فرادته، لم يكن مستبعدًا بالكامل، لكنه جاء في ظل سياسة مختلفة يتبعها محافظ بنك إسرائيل الحالي، تقوم على ترك السوق يحدد السعر من دون تدخل مباشر كما كان يحدث في السابق.
سياسة جديدة من بنك إسرائيل
الخبير الاقتصادي وائل كريّم: مكاسب للمستهلك وخسائر للمصدرين
غرفة الأخبار مع محمد أبو العز محاميد
09:45
وأوضح كريم أن محافظ بنك إسرائيل الحالي اختار عدم التدخل لحماية سعر الدولار، خلافًا للسياسات السابقة التي كانت تعتمد شراء العملة الأميركية كلما اقتربت من مستويات منخفضة. وقال: "محافظ بنك إسرائيل الحالي اتخذ سياسة مختلفة تمامًا، تقوم على فتح باب السوق الحرة ومنح الدولار المجال ليستقر عند السعر الذي يريده، من دون تدخل". وأضاف أن البنك المركزي يدرك أن قدرته على فرض سعر محدد باتت محدودة، لا سيما عندما يصل الدولار إلى هذه المستويات المتدنية، ما دفعه إلى ترك السوق "يصلح نفسه" وفق تعبيره.
محادثات لبنان وضعف الدولار عالميًا
وربط كريم بين هذا الانخفاض وبين مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية، على رأسها الأجواء الإقليمية الحالية، وخصوصًا بدء المحادثات بين إسرائيل ولبنان، وهو ما قال إنه منح الأسواق دفعة إيجابية وشجع على تقوية الشيقل. وأضاف: "هذا التطور أعطى زخمًا كبيرًا لإمكانية التوصل إلى اتفاق، أو على الأقل إلى تفاهم بعيد المدى، وهو ما يترجم مباشرة في الأسواق المالية إلى تقوية الشيقل وتشجيع الاستثمار". كما أشار إلى عامل آخر يتمثل في ضعف الدولار عالميًا، موضحًا أن الحرب مع إيران لم تحقق حتى الآن نتائج اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة، ما ساهم في إضعاف العملة الأميركية على المستوى الدولي.
مكاسب للمستهلك وخسائر للمصدرين
وبيّن الخبير الاقتصادي أن قوة الشيقل ليست إيجابية في كل الأحوال، إذ تحمل في طياتها ضررًا مباشرًا على قطاع التصدير. وقال: "قوة الشيقل لها تأثير سلبي جدًا على التصدير، لأن العائد من بيع السلع في الخارج يصبح أقل بكثير عند تحويله إلى الشيقل". وأوضح أن السلعة التي كانت تباع في الولايات المتحدة مقابل 100 دولار، كانت تدرّ في السابق مبلغًا أكبر عند تحويله إلى العملة المحلية، أما الآن فإن العائد بات أقل من 300 شيقل، ما يزيد الضغوط على الصناعات الإسرائيلية، وقد يدفع بعض الشركات إلى نقل نشاطها إلى خارج البلاد.
في المقابل، أشار كريم إلى جانب إيجابي لهذا التراجع يتمثل في انخفاض الضغوط التضخمية، إذ تصبح السلع المستوردة أرخص عند دفع ثمنها بالدولار، ما يتيح استيراد الحاجيات نفسها بكلفة أقل. وقال إن هذا التطور من المفترض أن يخفف من أسعار بعض المنتجات للمستهلكين، شريطة وجود رقابة فعلية على الشركات والأسواق.
غياب الحكومة عن القرار الاقتصادي
وانتقد كريم ما وصفه بغياب القرار الاقتصادي الفاعل داخل الحكومة، معتبرًا أن القضايا الاقتصادية لا تتصدر سلم أولويات صناع القرار في إسرائيل. وقال: "الحكومة غائبة عن القرار الاقتصادي، وحتى المسؤولون عن الاقتصاد يضعونه في آخر سلم الأولويات". وأضاف أن هناك بدائل كان يمكن اللجوء إليها لحماية قطاع التصدير، مثل تقديم مساعدات حكومية، أو تقليص الضرائب على الشركات المصدّرة، إلا أن هذه الخيارات لا تبدو مطروحة بجدية في الوقت الراهن.
هل يلمس المواطن النتائج فعلًا؟
وعن انعكاس هذا التراجع على حياة المواطنين، قال كريم إن المستهلكين قد يشعرون بانخفاض في أسعار بعض السلع المستوردة، لكن ذلك ليس مضمونًا تلقائيًا. وأوضح أن التجربة السابقة تشير إلى أن الشركات تترجم بسرعة أي ارتفاع في سعر الدولار إلى زيادات في الأسعار، لكنها لا تُظهر الحماسة نفسها عندما ينخفض سعره، بل تحتفظ بالفارق كأرباح إضافية. وقال: "عندما ينخفض الدولار، لا نسمع أن شركة خفّضت الأسعار لأن الدولار هبط، بل تستغل هذا الانخفاض لأرباح مباشرة".
ورأى أن غياب التنافسية والرقابة الحكومية في الاقتصاد الإسرائيلي يجعل المستهلك لا يستفيد دائمًا من التغيرات الإيجابية في سعر الصرف، رغم أن الانفتاح المتزايد على الاستيراد المباشر والشراء عبر الإنترنت قد يخفف جزئيًا من الضغط على الأسعار. كما أعرب عن أمله في أن تنعكس أي تهدئة بعد الحرب على كلفة السفر إلى الخارج وعلى المستوى المعيشي عمومًا، مؤكدًا أن الجمهور بات "مرهقًا من التداعيات السلبية" ويتطلع إلى نتائج إيجابية ملموسة.


