بعد ثلاث سنوات على هجمات السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب استمرت لعامين، يعيش قطاع غزة واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا بالغ التعقيد. فقد أوقف اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم ينهِ سقوط الضحايا، فيما لا تزال إعادة الإعمار محدودة، ويعيش معظم السكان وسط آثار دمار واسع ونزوح وأزمة اقتصادية وإنسانية مستمرة.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، لا تزال ملفات أساسية عالقة، في مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حماس، والترتيبات المتعلقة بإدارة القطاع وإعادة إعماره. وتسيطر القوات الإسرائيلية حاليًا على نحو ثلثي مساحة غزة، وفق تقارير حديثة، فيما تستمر ضربات وحوادث متفرقة توقع قتلى وجرحى.
أكثر من 74 ألف قتيل و175 ألف مصاب
بحسب أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة المنشورة في السادس من أكتوبر، بلغت حصيلة القتلى منذ بداية الحرب 74,245، فيما وصل عدد المصابين إلى 175,267. وتقول الوزارة إن 1,462 فلسطينيًا قُتلوا وأصيب 5,151 آخرون منذ وقف إطلاق النار، إضافة إلى انتشال مئات الجثامين خلال هذه الفترة.
ولا تعكس أرقام القتلى والجرحى وحدها حجم التداعيات؛ إذ خلّفت الحرب أعدادًا كبيرة من المصابين الذين يحتاجون إلى تأهيل طويل الأمد، فيما لا تزال عمليات البحث وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض تمثل تحديًا في مناطق واسعة من القطاع.
371 ألف وحدة سكنية متضررة.. وإعادة الإعمار تحتاج 71.4 مليار دولار
أما حجم الدمار، فتظهره بصورة أوضح نتائج التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. فقد خلص التقييم الصادر في أبريل الماضي إلى أن أكثر من 371,888 وحدة سكنية تعرضت للتدمير أو الضرر، وأن أكثر من نصف المستشفيات غير عاملة، فيما دُمّرت أو تضررت جميع المدارس تقريبًا.
وقدّر التقييم تكلفة التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الـ18 الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم التعافي الاقتصادي. كما قُدرت الأضرار المادية بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بـ22.7 مليارًا.
وبحسب التقييم نفسه، نزح نحو 1.9 مليون شخص خلال الحرب، كثير منهم أكثر من مرة، فيما فقد أكثر من 60% من سكان القطاع منازلهم. ولا تزال إزالة الركام والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة من الشروط الأساسية قبل الانتقال إلى إعادة إعمار واسعة.
ولم تقتصر الأضرار على المنازل؛ فالقطاع الصحي يعمل بقدرات محدودة بعدما خرج أكثر من نصف المستشفيات عن الخدمة، بينما أصابت الأضرار جميع المدارس تقريبًا، وفق التقييم الدولي. ويواجه القطاع في الوقت نفسه حاجة واسعة إلى خدمات التأهيل والعلاج طويل الأمد للمصابين.
أما التعليم، فقد كان أحد أكثر القطاعات تضررًا، مع حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم المنتظم لفترات طويلة، فيما تتركز جهود التعافي على استعادة الحد الأدنى من الخدمات التعليمية بالتوازي مع الحاجة إلى إعادة بناء المنشآت المتضررة.
أزمة اجتماعية تتجاوز أرقام الدمار
وتقول وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إن التداعيات الاجتماعية للحرب طالت بصورة خاصة الأطفال والأسر التي فقدت معيليها وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. ووفق بيانات نشرتها الوزارة، بلغ عدد الأيتام 71,846 طفلًا، وعدد الأرامل 64,413 امرأة، فيما تُعيل النساء نحو 86 ألف أسرة.
كما تقول الوزارة إن 118,876 من كبار السن يواجهون تحديات مرتبطة بالحصول على الرعاية الصحية والأدوية والمأوى، بينما بلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، وفق بياناتها، 16,963 شخصًا، إلى جانب آلاف المصابين وحالات البتر التي تحتاج إلى خدمات تأهيل وأطراف صناعية.
ودعت الوزارة إلى الانتقال من الاستجابة الإغاثية المؤقتة إلى منظومة حماية اجتماعية طويلة الأمد، تشمل الغذاء والدعم النقدي والصحة والتعليم والتأهيل والدعم النفسي.
اقتصاد فقد معظم قدرته على الإنتاج
اقتصاديًا، تبدو الفجوة بين غزة قبل الحرب وبعدها شديدة الاتساع. فقد خلص تقييم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى انكماش اقتصاد القطاع بنحو 84%، مع تعرض قطاعات الإسكان والتجارة والزراعة والصحة والتعليم لأضرار واسعة.
ويقول المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن الاقتصاد الذي كان يعاني أصلًا قبل الحرب من البطالة والفقر والقيود المفروضة عليه، فقد خلال السنوات الثلاث جزءًا كبيرًا من قدرته على الإنتاج والتشغيل وتوليد الدخل. وتشير تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن البطالة تجاوزت 80%، ما جعل القدرة الشرائية للأسر إحدى أبرز العقبات حتى مع تحسن توافر بعض السلع بعد وقف إطلاق النار.
الجوع يتراجع عن ذروته.. لكنه يهدد أكثر من مليون شخص
وفي ملف الأمن الغذائي، أدى تحسن دخول المساعدات بعد وقف إطلاق النار إلى تراجع حدة بعض المؤشرات مقارنة بفترات الحرب، لكن الوضع لا يزال هشًا. فقد أظهر أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي 59% من السكان، واجهوا بين منتصف أبريل ونهاية يونيو مستويات "أزمة" أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 212 ألفًا في مرحلة "الطوارئ".
ويتوقع التحليل ارتفاع العدد إلى نحو 1.4 مليون شخص، أو 67% من السكان، خلال الفترة الممتدة حتى نهاية 2026 إذا تدهورت الظروف مجددًا.
وهكذا، وبعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر وعام تقريبًا على وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، انتقلت غزة من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة لا تقل تعقيدًا: مئات آلاف المنازل المتضررة، منظومات صحية وتعليمية منهكة، اقتصاد منكمش، وأكثر من مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، بينما لا تزال عملية إعادة الإعمار الفعلية محدودة والملفات السياسية والأمنية الرئيسية من دون حسم. وتقدّر المؤسسات الدولية أن استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة لن تكون مسألة أشهر، بل عملية تمتد لسنوات وتحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات.








