استعاد الوقف الإسلامي في مدينة يافا أول وقف من حواصل مسجد يافا الكبير "المحمودية"، بعد 78 عامًا من خروجه عن إدارة الوقف، في خطوة وُصفت بأنها إنجاز تاريخي في ملف الأوقاف الإسلامية في المدينة، وتهدف إلى إعادة الأملاك الوقفية لخدمة المسلمين وأهالي يافا.
وقال المحامي محمد دريعي، رئيس لجنة الأوقاف في يافا، في حديث لـ"راديو الناس"، إن أهمية هذا الإنجاز لا تنحصر في البعد العقاري أو الإداري، بل ترتبط بمكانة مسجد يافا الكبير التاريخية، معتبرًا أنه "ثالث أكبر مسجد في فلسطين التاريخية بعد المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي"، وأن الحواصل المحيطة به في ميدان الساعة كانت في الأصل دكاكين ومخازن تابعة للمسجد قبل مصادرتها وبيعها.
أول دكان يعود إلى الوقف
دريعي: الخطوة تاريخية وتفتح الباب أمام مسار مهني وقانوني لاستعادة مزيد من أوقاف يافا المصادرة
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:37
وأوضح دريعي أن ما جرى هو استعادة أول دكان أو مخزن من حواصل المسجد بعد عقود طويلة، معتبرًا أن الخطوة تحمل "لمسة خاصة" لأنها تتعلق بمسجد يافا الكبير تحديدًا، وتشكل بداية لتحريك عجلة استعادة باقي الحواصل التابعة له.
وأشار إلى أن الوقف الإسلامي في يافا اعتمد في السنوات الأخيرة نهجًا مهنيًا وقانونيًا بعيدًا عن التعامل العاطفي مع ملف المصادرات، موضحًا أن العمل يتم بمرافقة محامين ومحاسبين ومخططي مدن واستراتيجيين، من خلال تحديد الهدف، وفحص الإمكانيات القانونية، ثم التوجه إما إلى المحاكم أو إلى تفاهمات مباشرة مع من يشغلون العقارات الوقفية.
مسار قانوني بعيد عن الضجيج
وبحسب دريعي، فقد تمكنت لجنة الأوقاف في هذه الحالة من الوصول إلى خروقات قانونية لدى الشخص الذي كان يشغل الدكان، ما أتاح فتح مسار تفاوضي انتهى بإخلاء المكان مقابل تعويض محدود، دون الدخول في مواجهة ميدانية أو ضجة إعلامية قد تعود بالضرر على الملف القانوني.
وأكد أن الوقف استطاع بذلك استعادة وقف ذي قيمة تاريخية ووقفية ومادية كبيرة بمبلغ زهيد، وبطريقة قانونية مدروسة، مشددًا على أن التحرك في هذه الملفات يجب أن يبقى ضمن الأطر المسموح بها، خصوصًا أن الأنظار موجهة نحو أي خطوة تقوم بها لجنة الأوقاف في يافا.
أوقاف واسعة ما زالت خارج الإدارة الإسلامية
وتطرق دريعي إلى حجم الأوقاف الإسلامية التي ما زالت خارج إدارة الوقف الإسلامي في يافا، قائلاً إن أجزاء واسعة من البلدة القديمة كانت في السابق أوقافًا، بينما لم يتبقَّ اليوم تحت إدارة الوقف إلا نحو 6% إلى 7% فقط. وأوضح أن لجنة الأوقاف تخوض عدة مسارات قضائية أمام المحكمة المركزية في تل أبيب ضد القائم على أملاك الغائبين، للمطالبة بتحرير أوقاف ومواقع استراتيجية داخل البلدة القديمة.
وأشار إلى أن الملفات تشمل مواقع مثل مسجد الدباغ، ومسجد الطابية، ومناطق في مقبرة الإسعاف قرب دوار الساعة، معتبرًا أن عدم تحرير هذه الأوقاف مخالف، وفق موقف لجنة الأوقاف، للقوانين المحلية والدولية.
صراع طويل على أملاك الوقف
وأوضح دريعي أن ملف حواصل مسجد يافا الكبير يواجه تعقيدات قانونية وميدانية، إذ إن نحو 90% من الحواصل يشغلها اليوم أشخاص من غير المسلمين وغير العرب، بعدما تمت مصادرتها وبيعها بطرق مختلفة، بعضها عبر بيع حقوق استعمال وبعضها عبر بيع تمليك. وأضاف أن استعادة ما تمت مصادرته ولم يُبع ممكنة قانونيًا في بعض الحالات، أما ما صودر ثم بيع فأمره أكثر تعقيدًا وشبه مستحيل.
كما لفت إلى أن المنطقة التي يقع فيها المسجد تُعد منطقة سياحية استراتيجية في قلب يافا، ما يمنح الدكاكين المحيطة به قيمة مادية عالية جدًا، إذ قد تصل قيمة مساحة صغيرة لا تتجاوز 10 أمتار إلى مئات آلاف الشواكل، وهو ما يزيد من حجم الضغوط والعقبات أمام استعادة هذه الأملاك.
إعادة الوقف لخدمة الناس
وأكد دريعي أن الوقف المستعاد سيعاد وقفه على مسجد يافا الكبير، ليعود إلى أصله الوقفي ويُستخدم في خدمة المجتمع المحلي. وأشار إلى أن لجنة الأوقاف كانت قد استعادت سابقًا مساحة قرب المسجد وخصصتها لتدريس القرآن والدين ضمن "دار الإمام البخاري"، وأن الدكان المستعاد سيُستخدم لتوسيع هذا النشاط التعليمي والديني بعد ازدياد عدد الطلاب.
واعتبر أن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية لمسار طويل لاستعادة ما يمكن استعادته من أوقاف يافا، عبر أدوات قانونية ومهنية، وبما يعيد لهذه الأملاك دورها الأصلي في خدمة المسلمين وأهالي المدينة.


