شهادات من قلب جهاز الصحة: "ملاحقات وإسكات واختبارات للولاء ومحاسبة على زر لايك"

د. لينا قاسم حسان: الجهاز الصحي يقدّم نفسه كـ"جزيرة تعايش"، لكن الشهادات تكشف ملاحقة وإسكاتًا واختبارات ولاء 

1 عرض المعرض
 مستشفى رمبام
 مستشفى رمبام
مستشفى رمبام
( مستشفى رمبام )
كشف تقرير حقوقي جديد لجمعية أطباء لحقوق الإنسان عن واقع مقلق يعيشه العاملون العرب في الجهاز الطبي الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023، في ظل ما تصفه الجمعية بسياسات ملاحقة وإسكات وتضييق داخل المستشفيات وصناديق المرضى.
ويستند التقرير، بحسب ما قالت د. لينا قاسم حسان، طبيبة عائلة وعضو جمعية أطباء لحقوق الإنسان، إلى شهادات معمقة من 32 من أعضاء الطواقم الطبية، إضافة إلى استطلاع شمل أكثر من 400 عامل في الجهاز الصحي، بهدف توثيق ما تعرضت له الطواقم العربية من إجراءات إدارية وملاحقات على خلفية التعبير عن مواقف إنسانية أو سياسية أو حتى منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.

"جزيرة تعايش" أم واقع من الإقصاء؟

لينا قاسم حسان: الجهاز الصحي يقدّم نفسه كـ"جزيرة تعايش"، لكن الشهادات تكشف ملاحقة وإسكاتًا واختبارات ولاء
غرفة الأخبار مع محمد أبو العز محاميد
06:49
وقالت د. حسان في حديث لراديو الناس إن الجهاز الصحي الإسرائيلي لطالما قدّم نفسه كنموذج للتنوع والتعايش والحياة المشتركة، إلا أن الواقع الذي يوثقه التقرير يكشف صورة مختلفة. وأضافت أن "الجهاز الصحي كان دائمًا يتغنى بأنه جزيرة وردية من التعايش والمساواة، لكن هذا التقرير يبيّن أن الأمر ليس كذلك".
وأوضحت أن المشكلة لم تبدأ بعد السابع من أكتوبر فقط، بل سبقتها سنوات من غياب الاعتراف الحقيقي بالطواقم الطبية العربية والفلسطينية، سواء على مستوى الهوية أو اللغة أو الرواية التاريخية. لكنها شددت على أن المرحلة التي تلت السابع من أكتوبر شهدت "تصعيدًا غير مسبوق" في الملاحقة داخل المؤسسات الطبية.
وبحسب التقرير، شملت هذه الممارسات عشرات لجان الاستماع، ورسائل التحذير، وقرارات الفصل أو الإبعاد عن العمل، في صناديق المرضى الأربعة، وأكثر من 15 مستشفى في البلاد.

منشور أو إعجاب قد يتحول إلى ملف تأديبي

وتشير د. حسان إلى أن أي تعبير، حتى لو كان إنسانيًا أو أخلاقيًا، بات قابلًا للتأويل بوصفه دعمًا للإرهاب. وقالت إن "استنكار الحرب أو الدمار أو قتل الأطفال أو التجويع، أو التعاطف مع الأبرياء في غزة، فُسّر في حالات كثيرة على أنه دعم للإرهاب".
وأضافت أن هذه الأجواء دفعت بعض العاملين إلى لجان استماع، فيما فقد آخرون عملهم ومصدر رزقهم، بسبب منشورات أو إعجابات أو تعليقات، أو حتى مواقف عبّروا عنها في محادثات يومية داخل أماكن العمل.
وتصف حسان هذا الواقع بأنه خلق شعورًا واسعًا بالخوف، خصوصًا أن العاملين العرب وجدوا أنفسهم تحت رقابة دائمة، ليس فقط من الإدارة، بل من الزملاء أيضًا، ما عزز حالة الرقابة الذاتية والصمت داخل المؤسسات الطبية.

"اختبارات ولاء" داخل المستشفيات

ومن أبرز ما يتوقف عنده التقرير، وفق د. حسان، ما وصفته بـ"اختبارات ولاء" طُلبت من الطواقم الطبية العربية والفلسطينية. وقالت إن العاملين العرب طُلب منهم في أكثر من حالة استنكار هجوم السابع من أكتوبر مرارًا، وإثبات الولاء، وأحيانًا إظهار الانتماء لرموز وشعارات مرتبطة بالحرب.
وأضافت: "كثيرون من الطواقم كانوا مطالبين بتعليق أعلام إسرائيل، أو المشاركة في تصوير مقاطع فيديو مع زملائهم تتضمن شعارات مثل سننتصر، أو التبرع لعائلات المجندين".
وترى حسان أن هذه الممارسات خلقت داخل الطواقم العربية إحساسًا بالاغتراب والخوف من التعبير عن الهوية أو المواقف المناهضة للحرب. وقالت إن الأخطر من رقابة المؤسسة هو أن "يراقب الإنسان نفسه ويختار الصمت خوفًا على عمله ومصدر رزقه".

تأثير مباشر على بيئة العمل والخدمة الطبية

وتحذر د. حسان من أن التضييق لا يقتصر على حرية التعبير أو مكانة العاملين العرب داخل الجهاز الصحي، بل ينعكس أيضًا على جودة بيئة العمل والخدمة الطبية نفسها.
وقالت إن من الصعب على طبيب أو ممرض عربي أن يعمل في مستشفى أو عيادة مليئة بالشعارات القومية الداعمة للحرب، في الوقت الذي يشاهد فيه أبناء شعبه في غزة يتعرضون للقتل والجوع والدمار.
وأضافت أن بعض التصريحات التي صدرت من أطباء أو مسؤولين في الجهاز الصحي وتضمنت دعوات قاسية ضد غزة أو ضد جهازها الصحي لم تُواجه، بحسب قولها، بأي مساءلة أخلاقية جدية، بينما تمت ملاحقة العاملين العرب على مواقف إنسانية أو تعبيرات محدودة. وقالت حسان: "هذه ازدواجية في المعايير الأخلاقية، وهي ضربة قاسية لكل ما يسمى بالتعايش".

مخاوف من ترسيخ واقع جديد

ويخلص التقرير، كما عرضته د. حسان، إلى أن ما يجري داخل الجهاز الصحي لا يمكن فصله عن المناخ العام في البلاد منذ اندلاع الحرب، حيث تتزايد القيود على التعبير، خصوصًا ضد العرب والفلسطينيين، في أماكن العمل والجامعات والمؤسسات العامة.
وتؤكد جمعية أطباء لحقوق الإنسان أن توثيق هذه الشهادات لا يهدف فقط إلى كشف حالات فردية، بل إلى التحذير من سياسة أوسع قد تؤدي إلى ترسيخ الخوف داخل جهاز يفترض أن يقوم على المساواة المهنية والإنسانية.