هل المال أهم من الجغرافيا؟ خطوة تعليمية تشعل نقاشًا واسعًا

مدير مدرسة في حيفا يبارك القرار ويدعو لترسيخ البعد الأخلاقي ومستشارة اقتصادية تشدد على التطبيق العملي وملاءمة المنهاج للمجتمع العربي 

1 عرض المعرض
طلاب في مدرسة يهودية
طلاب في مدرسة يهودية
طلاب في مدرسة يهودية
(فلاش 90)
أعلنت وزارة التربية أن "التربية المالية" ستصبح مادة إلزامية لطلاب الصفين التاسع والعاشر ابتداءً من العام الدراسي المقبل، بدلًا من مادة الجغرافيا. ووفق الخطة الجديدة، سيتعلم الطلاب أسس إدارة الأموال، والادخار، والاستثمار، وفهم عالم البنوك وسوق العمل، في خطوة تهدف إلى تعزيز الوعي الاقتصادي لدى الأجيال الشابة.
وفي حديث خاص لراديو الناس، عبّر مدير مدرسة المتنبي الثانوية البلدية في حيفا، رائف عمري، عن تأييده للقرار، مؤكدًا أن المعرفة المالية تمثل أداة تمكين حقيقية للطلاب.
وقال عمري: "أبارك جدًا هذه الفكرة. فالمعرفة تمنح الإنسان تمكينًا وقدرة وإتاحة، وكذلك المال. لكن الأهم هو الوعي بكيفية إدارة المال، لأن التنور المالي إذا اكتُسب في جيل مبكر يتحول مع الوقت إلى مهارة ثم إلى أداء عملي في الحياة".

تعزيز الاستهلاك الحكيم

رائف عمري: المعرفة المالية تمثل أداة تمكين حقيقية للطلاب
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
07:35
ورأى أن المرحلة الإعدادية والثانوية تُعد مناسبة لطرح مفاهيم مثل سوق المال، والتضخم، وإدارة الميزانية، والقروض البنكية، موضحًا أن "هذه المصطلحات تحتاج إلى مستوى من النضج الفكري، لكنها ضرورية لإعداد الطالب للانخراط في العالم الحقيقي".
وأشار عمري إلى أن تدريس التربية المالية يسهم في تعزيز "الاستهلاك الحكيم" والحد من الوقوع في فخ الديون، لا سيما في ظل انتشار ما وصفه بـ"السوق السوداء للإقراض"، مضيفًا: "تعليم هذه المادة في جيل مبكر يرسخ المسؤولية الذاتية في اتخاذ قرارات مدروسة مبنية على معطيات، وهذا يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع".
وشدد مدير المدرسة على ضرورة دمج البعد الأخلاقي في المنهاج، قائلًا: "المدخل الرئيسي هو الأخلاقيات؛ الاستقامة، والإنصاف، والأمانة، والحكمة، والشفافية، وسعادة العطاء مقارنة بمتعة الأخذ. لا نريد أن يكون الهدف تبرير الوسيلة، بل نريد بناء وعي مالي قائم على القيم".
وفي ما يتعلق بالاستعداد لتطبيق المنهاج، أوضح عمري أن مدرسته تمتلك أرضية مناسبة لذلك من خلال برامج عملية قائمة، مثل حملات التبرع في شهر رمضان وإدارة الطلاب لمشاريع خيرية، مؤكدًا أن "الطلاب يتعلمون عمليًا كيفية جمع الأموال وإدارتها بمسؤولية، وهذا يشكل قاعدة جيدة لتأطير المادة الجديدة ضمن عمل يومي منظم".

نردين أرملي: أريد محتوى ملائمًا لواقعنا الاقتصادي والاجتماعي العربي

نردين أرملي: أريد محتوى ملائمًا لواقعنا الاقتصادي والاجتماعي العربي
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
07:19
من جانبها، وصفت المستشارة الاقتصادية ومقدمة برنامج "مصروف العيلة"، ناردين أرملي، القرار بأنه "خبر رائع للمجتمع والعائلات"، لكنها طرحت جملة من التساؤلات المهنية حول آليات التنفيذ.
وقالت أرملي: "التربية المالية يجب أن تبدأ من جيل أصغر، لأنها تعلّم ترتيب سلم الأولويات واتخاذ الخيارات الصحيحة في الحياة، وهذه مهارات أساسية قبل أن تكون معلومات نظرية".
وأكدت أن نجاح التجربة مرهون بالشخص الذي سيقوم بتدريس المادة، موضحة: "السؤال الجوهري هو: من سيمرر المنهاج؟ وما مدى خبرته وأسلوبه؟ بل حتى ما مدى استقراره المالي الشخصي؟ من الصعب أن يعلّم الإدارة المالية من لا يمارسها في حياته".
وشددت على ضرورة أن يكون التعليم عمليًا وتفاعليًا، لا قائمًا على الحفظ والامتحانات، مضيفة: "إذا تحولت المادة إلى امتحان يُحفظ له المنهاج وينتهي بانتهائه، فهذا فشل. المطلوب هو تجارب عملية، وبحث، وتفكير نقدي، وفهم للمصالح الكامنة وراء الإعلانات والعروض البنكية".
كما دعت أرملي إلى ملاءمة المنهاج ثقافيًا للمجتمع العربي، مؤكدة: "لا أريد ترجمة مباشرة لمنهاج وُضع لبيئة مختلفة، بل أريد محتوى ملائمًا لواقعنا الاقتصادي والاجتماعي".
وعن معايير نجاح الخطة، أوضحت أن الاستمرارية هي الاختبار الحقيقي، قائلة: "نجاح التجربة يقاس بمدى استمرارها، وبأن تتحول المصطلحات المالية إلى لغة دارجة ومفهومة لدى الطلاب، وبأن تتطور مهاراتهم العاطفية والنفسية في تأجيل الرغبات واتخاذ قرارات مالية رشيدة".
وأضافت: "قد يفهم الطالب معنى التضخم أو الفائدة، لكنه إذا لم يمتلك مهارة ضبط النفس وتأجيل الإشباع، فقد يتخذ قرارات مالية سيئة. لذلك التركيز يجب أن يكون على المهارات والتطبيق، لا على العلامة".
ويأمل الطرفان أن تسهم الخطوة في تقليص الفجوات الاقتصادية وتعزيز ثقافة مالية مسؤولة في المجتمع العربي، على أن تشكل الصفوف التاسعة والعاشرة نقطة انطلاق نحو تعميم أوسع للتربية المالية في المراحل اللاحقة.