تشهد فرنسا موجة احتجاجات طلابية واسعة انطلقت من العاصمة باريس وامتدت إلى مناطق مختلفة من البلاد، للمطالبة بتحسين أوضاع المدارس الثانوية ومعالجة النقص في المعلمين وتردي البنية التحتية وطول اليوم الدراسي، فيما شهدت بعض التحركات مواجهات وأعمال عنف أسفرت عن إصابة مئات الأشخاص واعتقال آلاف المتظاهرين.
وبحسب تقارير إعلامية فرنسية ودولية، شارك آلاف طلاب المدارس الثانوية في الاحتجاجات خلال الأسبوع، فيما أُغلقت أكثر من 400 مدرسة، وسط تصاعد التوتر بين المتظاهرين وقوات الشرطة.
احتجاج على أوضاع المدارس
تركز مطالب الطلاب على النقص في أعداد المعلمين، وظروف بعض المباني المدرسية، إضافة إلى طول ساعات الدراسة، التي تمتد في بعض المدارس الثانوية من الساعة الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً.
وتحدث طلاب مشاركون في الاحتجاجات عن ظروف صعبة داخل عدد من المدارس. وقالت طالبة تبلغ 17 عامًا لوكالة "رويترز" إن مدرستها تعاني انتشار الحشرات والقوارض، فضلًا عن مشكلات في درجات الحرارة داخل الصفوف.
كما تحدثت طالبة من سان دوني عن تفاوت في الظروف التي يواجهها الطلاب بين الضواحي ومناطق أخرى، معتبرة أن مدارس منطقتها لا تحصل على مستوى مماثل من الاهتمام والموارد.
مواجهات وإصابات
وتصاعدت حدة بعض الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة، حيث اندلعت مواجهات بين مجموعات من المتظاهرين والشرطة، وسُجلت حوادث إضرام نار في مركبات ومنشآت مدرسية.
وبحسب وسائل إعلام فرنسية، أصيب منذ بدء الاحتجاجات عشرات العاملين في قطاع التعليم ومئات من عناصر الشرطة وأكثر من 100 طالب، فيما أوقفت السلطات آلاف الأشخاص على خلفية الأحداث.
وشملت الاحتجاجات إغلاق مداخل مدارس ثانوية في أنحاء البلاد، ما أدى إلى تعطيل الدراسة في مئات المؤسسات التعليمية.
جدل سياسي
وحظيت التحركات بدعم معلن من حزب "فرنسا الأبية" (LFI) بزعامة جان لوك ميلانشون، فيما اتهم مسؤولون وسياسيون الحزب بالمساهمة في تأجيج التوتر من خلال خطابه ومشاركة عدد من أعضائه في الاحتجاجات.
ويرفض الحزب هذه الانتقادات، فيما أثارت تصريحات لأحد رؤساء البلديات المنتمين إليه، بشأن إمكانية اعتبار العنف مشروعًا في بعض الظروف، جدلًا سياسيًا واسعًا. وقال المسؤول لاحقًا إن تصريحاته أُخرجت من سياقها.
ماكرون: الغضب لا يبرر العنف
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الغضب من الأوضاع القائمة لا يبرر اللجوء إلى العنف، محذرًا القيادات السياسية من منح مثل هذه الممارسات شرعية.
وقال وزير التعليم إدوار جيفرا إن الحركة الاحتجاجية كانت "مشروعة في بدايتها"، بينما اعتبرت وزارة الداخلية أن أعمال العنف الأخيرة لم تعد مرتبطة، بحسب توصيفها، بالتعبير المشروع عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، ووصفت جانبًا من الأحداث بأنه يحمل سمات "عنف حضري".
وفي المقابل، أقرت الحكومة بوجود مشكلات حقيقية في المدارس الثانوية تستوجب المعالجة.
54 مليار يورو من التخفيضات
وتأتي الاضطرابات في توقيت حساس للحكومة الفرنسية، التي تستعد لخوض مفاوضات مع أعضاء الجمعية الوطنية بشأن موازنة عام 2027.
وأعلن وزير المالية رولان ليسكور أن مشروع الموازنة يتضمن تخفيضات بقيمة 54 مليار يورو، تشمل، من بين إجراءات أخرى، تجميد أجور العاملين في القطاع العام، بمن فيهم المعلمون، وهو ما يضيف بعدًا اقتصاديًا إلى حالة التوتر الاجتماعي.
ضغوط متزايدة على الاقتصاد
وتواجه فرنسا تحديات مالية كبيرة، إذ بلغ عجز الموازنة الحكومية خلال العام الماضي 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا الحد المنصوص عليه في قواعد الاتحاد الأوروبي والبالغ 3%.
كما بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 119% في نهاية حزيران، مقارنة بالسقف المرجعي الأوروبي البالغ 60%.
وأدت محاولات الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة لتنفيذ تخفيضات في الإنفاق وزيادات ضريبية وإصلاحات اقتصادية إلى أزمات سياسية متكررة، فيما شهدت البلاد تعاقب ستة رؤساء حكومات منذ عام 2021.
وتضيف الاحتجاجات الطلابية جبهة جديدة إلى الضغوط التي تواجهها الحكومة، في وقت تتزامن فيه التوترات الاجتماعية والسياسية مع تزايد المخاوف بشأن المالية العامة وارتفاع عوائد السندات الحكومية الفرنسية إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود.

