أزمة العمال الفلسطينيين تتفاقم: شهادات من الميدان تكشف كلفة المنع على العمال وقطاع البناء

مراقب الدولة يحذر من تداعيات وقف تشغيل العمال الفلسطينيين، فيما يؤكد عامل من الضفة ومقاول بناء أن الأزمة تجاوزت فقدان العمل إلى تهديد سبل العيش وشلل المشاريع 

1 عرض المعرض
ورشة بناء
ورشة بناء
ورشة بناء
(Flash90)
كشف تقرير لمراقب الدولة أن وقف تشغيل العمال الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب، إلى جانب مغادرة آلاف العمال الأجانب، أدى إلى أزمة حادة في سوق العمل، ولا سيما في قطاعي البناء والزراعة، مع تداعيات اقتصادية وأمنية آخذة في الاتساع. وفي هذا السياق، سلطت مقابلتان على "راديو الناس" الضوء على الانعكاسات الإنسانية والمعيشية والمهنية لهذه الأزمة، من خلال شهادتين من قلب المعاناة؛ الأولى لعامل فلسطيني من الضفة الغربية، والثانية لمقاول بناء أكد أن المشاريع دخلت في حالة شلل شبه كامل.

عامل فلسطيني: انقطع مصدر الرزق وبات الناس يبحثون عن الحد الأدنى للبقاء

بدوي أبو جويعد: انقطع مصدر الرزق وبات الناس يبحثون عن الحد الأدنى للبقاء
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
09:07
وقال بدوي أبو جويعد، وهو عامل فلسطيني من الضفة الغربية عمل لنحو 15 عامًا في قطاع البناء، معظمها في منطقة الجنوب، إن الحياة انقلبت بالكامل منذ وقف دخول العمال الفلسطينيين إلى أماكن عملهم في الداخل. وأضاف أن الأوضاع أصبحت "صعبة على جميع المواطنين في الضفة الغربية"، مؤكدًا أن مصدر الدخل الرئيسي انقطع عن آلاف العائلات، في وقت تعيش فيه شريحة واسعة من العمال أوضاعًا معيشية خانقة.
وأوضح أبو جويعد أن كثيرين اضطروا إلى التكيف مع أعمال بسيطة أو دخل محدود جدًا داخل الضفة الغربية، في حين لجأ آخرون إلى المخاطرة بحياتهم من أجل تأمين لقمة العيش. وقال: "هناك من ينزلون بصعوبة ويخاطرون بحياتهم من أجل أن يوفروا ما يسد رمق أطفالهم"، مضيفًا أن البدائل المتاحة بقيت محدودة وغير قادرة على تعويض فقدان العمل الذي اعتاد عليه العمال لسنوات طويلة.

"لا كماليات.. الناس تبحث عن الأساسيات فقط"

وأشار العامل الفلسطيني إلى أن الأزمة تجاوزت الجانب المهني لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية، موضحًا أن كثيرًا من الأسر باتت عاجزة عن تأمين أبسط الاحتياجات. وقال إن الحديث لم يعد عن رفاهية أو كماليات، بل عن الغاز، والبنزين، ومصاريف المدارس، والحد الأدنى من متطلبات البيت. وأضاف: "الناس اليوم بالكاد تؤمن الحاجات الأساسية، ولا توجد كماليات أصلًا"، في وصف يلخص حجم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها العمال وأسرهم.
وانتقد أبو جويعد ضعف الاستجابة الرسمية، معتبرًا أن جميع الجهات "مقصرة" في هذا الملف، رغم بعض التحركات المحدودة من وزارة العمل أو النقابات. وأوضح أن كثيرًا من العمال غير قادرين حتى على الاستفادة من المشاريع أو القروض المطروحة، بسبب تراكم الديون والمشكلات البنكية، ما زاد من عمق الأزمة بدل التخفيف منها.

صور الإذلال والمخاطرة: "العامل لم يعد يملك خيارًا آخر"

وتوقف أبو جويعد عند المشاهد التي وثقت مؤخرًا لعمال فلسطينيين اختبأوا داخل شاحنة نقل نفايات من أجل الوصول إلى العمل، معتبرًا أن هذه الصور جرحت مشاعر الجميع، لكنها عكست أيضًا واقعًا مريرًا يعيشه العامل الفلسطيني. وقال إن من لا يملك في جيبه ما يعطيه لابنه صباحًا لمصاريف المدرسة قد لا يبقى أمامه أي خيار آخر، مضيفًا أن بعض العمال باتوا مستعدين للمخاطرة بكل شيء مقابل تأمين لقمة العيش.
وأضاف في شهادة مؤثرة أن العامل الذي يخرج للعمل وهو يدرك احتمال تعرضه للإهانة أو الخطر، إنما يفعل ذلك مدفوعًا بالحاجة لا أكثر، مؤكدًا أن نشر هذه الصور أو التعامل معها بهذا الشكل "غير مقبول إنسانيًا"، وأنها تعكس سياسة إذلال ممنهجة تطال العمال والمجتمع الفلسطيني عمومًا.

مقاول بناء: المشاريع شبه متوقفة والضرر أكبر من المباشر

محمد مراد: المشاريع شبه متوقفة والضرر أكبر من المباشر
07:40
ومن زاوية أخرى، قال مقاول البناء محمد مراد إن الأزمة انعكست بقوة على قطاع البناء، مشيرًا إلى أن المقاولين دخلوا في وضع بالغ الصعوبة منذ السابع من أكتوبر. وأكد أن النقص في العمال الفلسطينيين ترك أثرًا مباشرًا وعميقًا على سير المشاريع، بل أدى في حالات كثيرة إلى توقفها بالكامل. وأضاف: "نحن اليوم في أزمة كبيرة جدًا"، لافتًا إلى أن الضرر الذي لحق بالمقاولين "أكبر من مباشر".
وأوضح مراد في حديثه لراديو الناس أنه، بصفته مقاولًا يعمل في العفولة منذ 13 عامًا، كان يشغّل قبل الحرب ما بين 25 و30 عاملًا من الضفة الغربية، لكن الوضع انقلب كليًا بعد منعهم من الدخول، ما جعله عاجزًا عن مواصلة العمل بالشكل المعتاد. وقال إن بعض العمال يدخلون بصورة غير نظامية، لكن المقاول الذي يدير مشاريع كبيرة أو مباني متعددة الطوابق لا يستطيع المخاطرة بتشغيل عمال في هذه الظروف، لما يترتب على ذلك من مسؤوليات مهنية وقانونية وأمنية.

العمال الأجانب "لا يعوضون" العامل الفلسطيني

وتحدث مراد عن محاولته تشغيل عمال أجانب، موضحًا أنه استقدم عاملين من سريلانكا لفترة قصيرة من أجل إنهاء أعمال تشطيب، لكن التجربة كانت، بحسب وصفه، فاشلة ومكلفة. وقال إن العاملين تقاضيا مبالغ مرتفعة جدًا مقارنة بحجم العمل المنجز، وإن المشكلة لم تكن فقط في التكلفة، بل أيضًا في ضعف الخبرة وصعوبة التواصل وعدم الإلمام بطبيعة العمل المطلوبة. وأضاف أن العامل الفلسطيني كان يحقق معادلة متوازنة للمقاول من حيث الكفاءة والإنجاز والجدوى الاقتصادية، وهو ما لم يتوفر في البدائل الأخرى.
وأكد أن كثيرًا من المقاولين توصلوا إلى النتيجة نفسها، وهي أن العامل الفلسطيني لا يمكن استبداله بسهولة، لا من ناحية المهارة ولا من حيث التأقلم مع متطلبات السوق وورشات البناء. وقال بصراحة إنه يفضل الجلوس في البيت على الاستمرار في عمل يدر عليه خسائر، في إشارة إلى أن الاستعانة بعمال بدلاء لم تقدم حلًا فعليًا للأزمة.

"قرار سياسي" وانتظار لحل غير واضح

ورأى مراد أن استمرار منع العمال الفلسطينيين هو في جوهره "قرار سياسي"، مؤكدًا أن كل الاتصالات والتحركات لم تفض حتى الآن إلى حل ملموس. وأضاف أنه تلقى رسالة واضحة مفادها أن عودة عمال الضفة لن تحصل ما دامت الحكومة الحالية قائمة، وهو ما يعمق الشعور بانسداد الأفق لدى المقاولين والعمال على حد سواء.
ولفت إلى ما وصفه بالمفارقة، إذ يُسمح في بعض الحالات للعمال الفلسطينيين بالعمل في المستوطنات داخل الضفة الغربية، بينما يُمنعون من دخول أماكن العمل داخل إسرائيل، رغم أن أصحاب العمل في الحالتين يعتمدون على اليد العاملة نفسها. وأشار إلى أن هذه التناقضات تزيد من حالة الإرباك، وتؤكد أن الملف لا يدار وفق اعتبارات مهنية أو اقتصادية فقط.