حذّر البروفيسور عَامي فولانسكي، الباحث البارز في شؤون التعليم العالي والرئيس السابق لدائرة العلماء الرئيسيين في وزارة التربية والتعليم، من تداعيات خطيرة لمشروع قانون حكومي جديد قد يغيّر بصورة جذرية طبيعة منظومة التعليم العالي في إسرائيل، ويدفعها نحو نماذج تُوصَف دوليًا بأنها قمعية ومقيدة للحرية الأكاديمية.
وقال فولانسكي، الذي يدرس منظومة التعليم العالي منذ أكثر من ثلاثين عامًا ويتابع تطورها منذ خمسينيات القرن الماضي، إن مشروع القانون المطروح حاليًا ويترقب مصادقة الحكومة عليه، يُعد أخطر تدخل سياسي تشهده الأكاديميا الإسرائيلية حتى اليوم. وأشار إلى أن لجنة الوزراء للتشريع قررت، يوم الأحد، تأجيل مناقشة المشروع لمدة أسبوعين، على أن يُعاد طرحه في الأول من شباط/فبراير المقبل.
وبحسب فولانسكي، فإن تمرير القانون سيؤدي إلى تراجع منظومة التعليم العالي «عشرات السنين إلى الوراء»، محذرًا من أن إسرائيل قد تجد نفسها إلى جانب دول مثل هنغاريا وتركيا وروسيا، حيث تُصنَّف أنظمة التعليم العالي هناك على أنها أنظمة قمعية تحدّ من استقلالية المؤسسات والباحثين.
"القانون الحالي يتضمن خطوات مشابهة"
وأشار إلى دراسة نُشرت عام 2019 عن المركز الدولي لقانون المنظمات غير الربحية، تناولت ممارسات حكومية للتدخل والتقييد والقمع في أنظمة التعليم العالي حول العالم، وخلصت إلى أن مثل هذه السياسات طُبقت بشكل بارز في هنغاريا وتركيا وروسيا، وكذلك في بولندا والصين. وبيّنت الدراسة أن التدخل السياسي يؤثر بسرعة على الجامعات، بما في ذلك البرامج التعليمية ومجالات البحث.
وأوضح فولانسكي أن مشروع القانون الحالي يتضمن خطوات مشابهة، أبرزها إلغاء استقلالية مجلس التعليم العالي ولجنة التخطيط والميزانيات، ونقل صلاحياتهما إلى الحكومة، عبر تعيينات سياسية، ومنح وزير التربية والتعليم صلاحيات واسعة لإقالة مسؤولين وتعيين آخرين دون التشاور مع المؤسسات الأكاديمية، وفرض عقوبات على مؤسسات أو أكاديميين يخالفون توجهات الحكومة، بل وحتى تمكين الحكومة من اتخاذ قرارات بدلًا من مجلس التعليم العالي.
وأكد فولانسكي أن هذه الخطوات «ستُقوّض التعليم العالي في إسرائيل»، مشيرًا إلى أن قانون مجلس التعليم العالي لعام 1958 كفل صراحة استقلال المؤسسات الأكاديمية. ولفت إلى أن البند 15 من القانون ينص على أن «المؤسسة الأكاديمية حرة في إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية ضمن ميزانيتها كما تراه مناسبًا»، محذرًا من أن المشروع الجديد يُفرغ هذا البند من مضمونه بالكامل.
جوهر القانون محاولة للتدخل سياسيا بالبحث العلمي
ورغم ادعاء مُقدمي المشروع أنه يهدف إلى تعزيز الشفافية والحوكمة، شدد فولانسكي على أن جوهره يكمن في محاولة التدخل في مضمون البحث العلمي وتوجيهه سياسيًا، معتبرًا أن الحرية الأكاديمية تشكل الأساس الذي لا يمكن بدونه تحقيق أي اختراق علمي حقيقي.
وأضاف أن تمرير القانون سيؤثر سلبًا على مكانة الأكاديميا الإسرائيلية عالميًا، ويقوّض فرص التعاون الدولي والحصول على تمويل للأبحاث، فضلًا عن تسريع ظاهرة «هجرة العقول» في صفوف الباحثين المتميزين.
كما أشار فولانسكي إلى أن مسار التسييس لم يبدأ اليوم، بل هو عملية تدريجية امتدت على مدار 25 عامًا، لكنها بلغت ذروتها مع هذا المشروع. وحذّر من أن إدخال السياسة إلى قلب المؤسسات الأكاديمية يقضي على مناخ الحرية الفكرية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع البحث العلمي وتدهور جودة التعليم.
وختم فولانسكي بالتأكيد على أن الحفاظ على استقلال التعليم العالي ليس قضية أكاديمية فحسب، بل مسألة استراتيجية تمس مستقبل البحث العلمي والمجتمع ككل، داعيًا إلى وقف هذا المسار قبل أن تتحول الأكاديميا إلى أداة خاضعة للاعتبارات السياسية.


