في حديث مؤثر عبر راديو الناس، استعاد د. عزمي حكيم، نجل المرحومة سامية الحكيم "أم منذر"، جوانب إنسانية ونضالية من سيرة والدته، التي رحلت اليوم تاركة أثرًا عميقًا في عائلتها وناسها وذاكرة مدينة الناصرة.
ولم يتحدث حكيم عن والدته بوصفها شخصية سياسية أو ناشطة جماهيرية فحسب، بل بوصفها أمًا وامرأة عاملة وإنسانة قريبة من الناس، عاشت تفاصيل حياتهم واحتضنت حاجاتهم، حتى بات اسمها حاضرًا في الذاكرة الشعبية بلقب "أمي" و"ماما"، كما وصفها كثيرون ممن عرفوها.
امرأة عاملة صنعت حضورها منذ الستينيات
د. عزمي حكيم: أمي كانت امرأة عاملة صنعت حضورها منذ الستينيات
المنتصف مع محمد أبو العز محاميد
07:38
قال د. عزمي حكيم إن والدته لم تكن أمًا فقط، بل كانت امرأة عاملة بكل معنى الكلمة، مشيرًا إلى أنها افتتحت منذ عام 1961 أول صالون شعر في الناصرة، وكانت ركيزة أساسية في الحياة الاقتصادية للعائلة.
وأضاف: "أمي لم تكن فقط أمي. كانت امرأة عاملة، ومنذ عام 1961 أقامت أول صالون شعر في الناصرة. كانت إنسانة عاملة بكل معنى الكلمة، وكانت أساس الوضع الاقتصادي في بيتنا".
وتوقف حكيم عند جذور والدته، موضحًا أنها ابنة قرية المقيبلة، وأنها هُجّرت مع أهلها عام 1948، قبل أن تستقر في الناصرة وتصبح جزءًا من نسيجها اليومي والاجتماعي والسياسي. وقال: "أمي ابنة المقيبلة، هُجّرت من قريتها مع أهلها عام 1948، وجاءت إلى الناصرة وعاشت فيها وربّت أبناءها فيها، لكنها بقيت مرتبطة بجذورها وذاكرتها الأولى".
حب حقيقي للناس قابله حب واسع
وعن سر العلاقة الخاصة التي ربطت المرحومة بالناس، قال حكيم إن والدته كانت صادقة في محبتها، ولذلك صدّقها الناس وبادلوها الحب. وأضاف: "حبها للناس كان حقيقيًا، والناس صدّقوا هذا الحب. كانت تحب الناس بصدق، ولذلك بادلوها الحب. كل الناس كانوا بالنسبة إليها أبناءها".
وتابع أن كل من كتب عنها بعد رحيلها استعاد علاقتها الإنسانية بالناس، مشيرًا إلى أن كثيرين كانوا ينادونها "أمي" أو "ماما"، لما وجدوه فيها من احتضان وقرب ودفء. وقال: "أمي خدمت الناس بكل صدق وأمانة. كانت صاحبة صالون، وعضوة بلدية، وعضوة في الحزب الشيوعي والجبهة، لكنها قبل كل شيء كانت قريبة من الناس وملجأ لمن يحتاج إلى مساعدة".
حضور سياسي ونضالي لا ينفصل عن الحياة اليومية
لم تكن سامية الحكيم، بحسب نجلها، شخصية اجتماعية فقط، بل كانت ناشطة سياسية في صفوف الحزب الشيوعي والجبهة، وحاضرة في الساحات والمظاهرات والعمل الجماهيري. واستذكر د. عزمي حكيم مشاركتها في التظاهرات التي خرجت بعد مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، قائلًا إنها كانت من أوائل من نزلوا إلى الشارع احتجاجًا.
وأضاف: "في عام 1982، بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، كانت أمي من أوائل من نزلوا إلى الشارع. اعتُقلت أكثر من مرة، ولم تكن تخاف قول موقفها".
وأشار إلى حادثة خلال التحقيق معها، حين حاول أحد المحققين استجوابها بمنطق طائفي، فسألها عن علاقتها بالقضية وهي مسيحية، فردّت بغضب ورفضت هذا المنطق، في موقف يعكس، كما قال، قناعتها العميقة بوحدة القضية والناس. وقال حكيم: "حاولوا أن يسألوها: أنت مسيحية، فما علاقتك بما يجري؟ لكنها رفضت هذا الكلام بشدة. بالنسبة إليها، الظلم لا يُقسَّم بحسب الدين أو الهوية".
تجربة بلدية وعطاء تطوعي بلا حدود
وتحدث حكيم عن دخول والدته إلى المجلس البلدي في تلك المرحلة، معتبرًا أن ذلك كان خطوة لافتة، خصوصًا لامرأة جمعت بين العمل المهني والعائلي والسياسي والتطوعي.
وقال إن والدته كانت حاضرة في مخيمات العمل التطوعي في الناصرة، وغالبًا ما كانت تتولى مسؤولية الطعام والمطبخ، في مهمة لم تكن بسيطة، إذ كانت تُطعم مئات وربما آلاف المشاركين. وأضاف: "في كل مخيمات العمل التطوعي في الناصرة، كانت أمي حاضرة ومسؤولة عن المطبخ والطعام. هذا لم يكن أمرًا سهلًا. كانت النساء يطعمن المئات والآلاف، وكان عطاؤها بلا حدود وبلا حسابات".
وأشار إلى أنه تلقى اتصالات من رام الله من أشخاص عرفوها أيام مخيمات العمل التطوعي، واستذكروا عطاءها ودفئها وحضورها بين الشباب والناس.
أم بوظيفة كاملة
ورغم هذا الحضور الواسع في العمل العام، شدد د. عزمي حكيم على أن والدته لم تغب عن بيتها أو عن دورها كأم، بل كانت، على حد تعبيره، "أمًا بوظيفة كاملة". وقال: "رغم كل العمل والمشاركة والعطاء، كانت أمًا بوظيفة كاملة. نحن أخوان، أنا ومنذر، ولم تكن وظيفتها في تربيتنا أن نصبح أطباء فقط، بل أن نتربى على الكرامة الوطنية، وعلى الرأس المرفوع، وعلى عدم الخوف، وعلى قول كلمة الحق".
وأضاف أن هذا هو الأثر الحقيقي الذي تركته والدته، ليس فقط في أبنائها، بل في كل من عرفها وتعامل معها ولمس صدق عطائها.
ذاكرة باقية بين الناس
وختم د. عزمي حكيم حديثه بالتأكيد أن سامية الحكيم ستبقى حاضرة في ذاكرة الناس، لأنها عاشت بينهم ولأجلهم، ولم تفصل يومًا بين البيت والشارع، أو بين العائلة والقضية العامة.
وقال: "هذا هو الأثر الحقيقي. الإنسان يبقى بما يتركه في الناس، في الشارع، وفي كل من عرفه ولمس صدق عطائه".
برحيل سامية الحكيم، تفقد الناصرة واحدة من نسائها اللواتي جمعن بين العمل اليومي والنضال السياسي والدفء الإنساني، لكنها تترك خلفها سيرة ممتدة في الذاكرة، وحضورًا لا يغيب في حكايات من عرفوها وأحبوها.


