تتواصل أزمة العمال في قطاع البناء في إسرائيل، في ظل تعثر محاولات تعويض غياب العمال الفلسطينيين منذ بداية الحرب، إذ تشير معطيات رسمية عُرضت في لجان الكنيست إلى فشل واضح في استقدام العمال الأجانب بالوتيرة التي خُطط لها. فمن أصل خمسة وأربعين ألف عامل أجنبي كان من المفترض استقدامهم، وصل خلال النصف الأول من العام ثلاث مئة وسبعون فقط، في حين غادر نحو أربعة وأربعين ألف عامل أجنبي، معظمهم من الهند، مواقع عملهم أو انتقلوا إلى أعمال أخرى أكثر سهولة وربحًا.
"إسرائيل تعيش صدمة وإرباك"
بدارنة: "إسرائيل تعيش صدمة وإرباك"
غرفة الأخبار مع أمير الخطيب
10:00
وقال رئيس نقابة العمال العرب في مدينة الناصرة، وهبة بدارنة، إن إسرائيل تعيش حالة “صدمة وإرباك وفوضى” في ملف تشغيل العمال الأجانب، بعدما تبين أن محاولات استبدال العمال الفلسطينيين، خصوصًا في البناء والترميمات والزراعة، لم تحقق أهدافها. وأوضح أن نحو مئة وعشرين ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة كانوا يشكلون ركيزة أساسية في هذه القطاعات قبل سحب تصاريحهم بعد السابع من أكتوبر.
وأضاف بدارنة أن المعطيات المطروحة في لجان الكنيست تكشف “ورطة حقيقية”، إذ إن قسمًا من العمال الأجانب عاد إلى بلاده، بينما يعمل قسم آخر في أماكن غير منظمة أو في السوق السوداء، بعيدًا عن مواقع العمل التي استُقدموا من أجلها. ولفت إلى أن العمال الأجانب جاؤوا بناء على وعود بأجور مرتفعة، لكنهم اصطدموا بواقع مختلف، سواء من حيث طبيعة العمل الشاق أو مستوى الأجور وظروف التشغيل.
غياب العامل الفلسطيني ينعكس على تسليم الشقق
وشدد بدارنة على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالأجور فقط، بل بطبيعة العمل نفسها وبالفجوة المهنية بين العامل الفلسطيني والعامل الأجنبي. وقال إن العامل الفلسطيني راكم خبرة طويلة في البناء والترميمات، ويتقن اللغة العبرية، ويعرف طبيعة السوق والمقاولين، ويتمتع بمهنية ومسؤولية لا يمكن تعويضها سريعًا عبر دورات تدريبية أو استقدام عمال من الخارج.
وبحسب بدارنة، فإن غياب العمال الفلسطينيين انعكس مباشرة على تسليم الشقق السكنية ومشاريع البناء، إذ كانت مدة تسليم الشقة في السابق تقارب عشرين شهرًا، بينما ارتفعت اليوم إلى نحو تسعة وثلاثين أو أربعين شهرًا. كما أشار إلى أن خمسين في المئة من مواقع البناء مشلولة أو متوقفة كليًا بسبب النقص الحاد في الأيدي العاملة.
وأشار بدارنة إلى أن بعض العمال الفلسطينيين بدأوا يعودون تدريجيًا وبأعداد محدودة جدًا إلى مواقع العمل، عبر تصاريح خاصة لبعض المقاولين، وبصورة بطيئة وغير معلنة خشية إثارة ضجة سياسية من قبل وزراء اليمين المتطرف. كما أشار إلى استمرار تشغيل عمال فلسطينيين في المستوطنات، رغم الخطاب السياسي الرافض لعودتهم، معتبرًا أن ذلك يعكس حاجة إسرائيل الفعلية إليهم.
ضغط يومي متواصل لإعادة العمال
وقال بدارنة إن إسرائيل تواجه معضلة مزدوجة؛ فهي من جهة لا تريد إعادة العمال الفلسطينيين لأسباب سياسية وأمنية، ومن جهة أخرى تخشى من بقاء عشرات آلاف العمال الأجانب خارج الأطر الرسمية، معتبرة ذلك خطرًا ديموغرافيًا واجتماعيًا على ما تسميه “الطابع اليهودي” للدولة. وأضاف أن أصواتًا إسرائيلية بدأت تطالب بترحيل العمال الأجانب، لكنها لا تقدم بديلًا حقيقيًا لأزمة قطاع البناء.
وأكد بدارنة أن اتحاد المقاولين في إسرائيل يضغط يوميًا من أجل إعادة العمال الفلسطينيين، لأن السوق لا يستطيع العمل من دونهم، خصوصًا في البناء والترميمات. ولفت إلى أن عودة بعض العمال إلى قطاعات الفنادق والمطاعم والخدمات تحمل دلالات على بداية تغيير تدريجي، لكنه حذر من الإفراط في التفاؤل، مؤكدًا أن الحل الحقيقي للأزمة يمر عبر عودة العمال الفلسطينيين إلى مواقع عملهم بشكل واسع ومنظم.
وختم بدارنة بالقول إن إسرائيل، رغم مواقف الحكومة الحالية وخطابها المتشدد، تصطدم في نهاية المطاف بواقع اقتصادي واضح، وهو أن قطاع البناء لا يستطيع الاستمرار من دون العمال الفلسطينيين، كما حدث في محطات سياسية وأمنية سابقة عاد بعدها العمال إلى أماكن عملهم بسبب حاجة السوق إليهم.


