تحوّلت نتائج انتخابات الكنيست السادسة والعشرين إلى محور سجال واسع في وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي انشغلت خلال الساعات الأخيرة بتحليل موازين القوى والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة، في ظل عجز معسكري بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت عن تحقيق أغلبية برلمانية، وصعود التمثيل العربي إلى 19 مقعدًا، ما وضع الأحزاب العربية في قلب الحسابات السياسية.
ورغم حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر التغيير، فإن غالبية القراءات الإعلامية تتفق على أن النتائج لم تمنح أيًا من الطرفين طريقًا مضمونًا لتشكيل الحكومة. وتتركز التساؤلات حول قدرة آيزنكوت على توحيد مواقف حلفائه، وإمكانية التعاون مع القائمتين العربيتين، في مقابل خيارات نتنياهو بين السعي إلى حكومة وحدة أو استمرار الأزمة السياسية وصولًا إلى انتخابات جديدة.
آيزنكوت أمام معضلة الأصوات العربية
في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تناولت المراسلة السياسية موران أزولاي التعقيدات التي تواجه المعسكرين، مشيرة إلى تقديرات سياسية بإمكانية تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة أولًا، رغم الصعوبات التي تعترض طريقه. وتبرز في مقدمة هذه العقبات مواقف أفيغدور ليبرمان الرافضة للاعتماد على الأحزاب العربية، إلى جانب الخلاف بشأن مشاركة الأحزاب الحريدية وقانون التجنيد.
وفي المقابل، برزت في صحيفة "هآرتس" قراءة للصحافي جاكي خوري، اعتبرت أن المشاركة العربية الواسعة تحمل رسالة سياسية تتجاوز عدد المقاعد، وأن المسؤولية باتت تقع على معسكر التغيير في كيفية التعامل مع إرادة الناخبين العرب، ومواجهة حملات التحريض التي أعقبت الانتخابات.
وفي السياق ذاته، دعا الوزير السابق عيساوي فريج، في مقال نشرته "إسرائيل هيوم"، آيزنكوت إلى التعامل مع تصويت الجمهور العربي باعتباره فرصة لبناء شراكة سياسية، بدل الاكتفاء بالإشادة بارتفاع نسبة المشاركة دون ترجمتها إلى خطوات عملية.
حكومة وحدة أم محاولة جديدة لإسقاط نتنياهو؟
وتباينت قراءات المحللين بشأن مستقبل نتنياهو السياسي. ففي صحيفة "إسرائيل هيوم"، رأى المحلل يوآف ليمور أن النتائج كشفت مأزقًا سياسيًا معقدًا، إذ خسر معسكر نتنياهو الأغلبية البرلمانية، لكن المعارضة لم تنجح في بلورة تحالف بديل متفق عليه.
أما الكاتب أمنون لورد، فطرح إمكانية التوصل إلى تفاهم مباشر بين نتنياهو وآيزنكوت يقود إلى حكومة وحدة واسعة، معتبرًا أن تجاوز الأزمة يتطلب مرونة سياسية من الطرفين.
وفي المقابل، نقلت "يديعوت أحرونوت" تقديرات داخل معسكر التغيير تفيد بأن نتنياهو قد يفضّل استمرار حكومته الانتقالية والتوجه إلى انتخابات جديدة، بدل تقديم تنازلات جوهرية تمهّد لقيام حكومة بديلة أو تفكك تحالفاته القائمة.
رئاسة الكنيست أول اختبار لموازين القوى
ولا تقتصر التحركات السياسية على مفاوضات تشكيل الحكومة، إذ كشفت القناة الثانية عشرة عن توجه داخل معسكر التغيير للعمل على استبدال رئيس الكنيست الحالي أمير أوحانا، فور انعقاد البرلمان الجديد، في خطوة قد تشكل أول اختبار عملي لإمكانية التنسيق بين أحزاب المعارضة والقائمتين العربيتين.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها قد تتيح تغيير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية وإدارة جدول أعمالها، حتى قبل التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة جديدة.
وفي موازاة ذلك، تناولت تقارير إسرائيلية احتمالات استقطاب أعضاء من الليكود أو التوصل إلى تفاهمات مع الأحزاب الحريدية، إلا أن هذه الخيارات لا تزال تصطدم بمواقف سياسية متعارضة، ولم تترجم حتى الآن إلى اتفاقات معلنة.
التحريض على العرب يدخل معركة تشكيل الحكومة
وبالتزامن مع هذه التطورات، احتلت الاتهامات المتعلقة بنزاهة الانتخابات وشبهات التدخل الأجنبي مساحة واسعة من التغطية الإعلامية، وسط محاولات سياسية لربط التحقيق الذي يجريه جهاز الأمن العام "الشاباك" بالتصويت العربي.
وفي حين طالب سياسيون من اليمين بالتحقيق مع قيادات الأحزاب العربية، أكدت لجنة الانتخابات المركزية أن التحقيق لا يستهدف جمهورًا بعينه، ولا يؤثر في النتائج النهائية، فيما شددت التوضيحات الصادرة عن الشاباك على ضرورة عدم تعميم الشبهات على قطاع كامل من السكان.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن تأثير السجال حول نزاهة الانتخابات على فرص التعاون السياسي مع القائمتين العربيتين، خصوصًا في ظل اعتراض قوى داخل المعسكر المناوئ لنتنياهو على الاعتماد على أصواتهما لتشكيل الحكومة.
19 مقعدًا عربيًا في قلب المعادلة المقبلة
وبين سيناريو حكومة التغيير، وحكومة الوحدة، واحتمال الذهاب إلى انتخابات جديدة، تكشف القراءات المتباينة في الإعلام الإسرائيلي عن حقيقة سياسية واحدة: نتائج الانتخابات لم تحسم شكل السلطة المقبلة، لكنها فرضت إعادة النظر في معادلات التحالفات البرلمانية.
فالقائمتان العربيتان، اللتان حصدتا معًا 19 مقعدًا، باتتا حاضرتين في مختلف الحسابات السياسية، بينما يواجه معسكر التغيير اختبارًا يتعلق بقدرته على تحويل النتائج الانتخابية إلى تفاهمات عملية.
ومع اقتراب موعد المشاورات الرئاسية لتكليف تشكيل الحكومة، تنتقل المعركة من صناديق الاقتراع إلى أروقة الأحزاب والكنيست، حيث سيكون السؤال المركزي ليس فقط من يملك العدد الأكبر من المقاعد، بل من يستطيع جمع الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة المقبلة.


