يواجه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو معضلة سياسية متزايدة قبل أشهر من الانتخابات: كيف يحافظ على علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، حليفه الأهم، وفي الوقت نفسه يتجنب خسارة قاعدته اليمينية التي ترفض تقديم تنازلات في قطاع غزة.
وبرز هذا التوتر بوضوح بعد إعلان ترامب أن «مجلس السلام» توصل إلى اتفاق لنزع سلاح حماس، قبل أن يرفض نتنياهو، أمس الأحد، الخطة الأميركية علنًا في خطوة نادرة تعكس حجم الخلاف بين الجانبين.
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، تتطلب الخطة الأميركية من إسرائيل اتخاذ خطوات بينها وقف الغارات، وإعادة انتشار القوات داخل غزة والسماح بإدخال مزيد من المساعدات، وهي خطوات قد تكون مكلفة سياسيًا لنتنياهو قبيل الانتخابات المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر.
ونقلت الصحيفة عن شيرا إفرون، رئيسة قسم سياسات إسرائيل في مؤسسة «راند»، قولها إن نتنياهو «يسير على حبل سياسي مشدود»، إذ يحتاج من جهة إلى إرضاء قاعدته وائتلافه اللذين وعدهما بـ«نصر كامل» على حماس، ومن جهة أخرى لا يريد الدخول في مواجهة مع ترامب.
ضغوط أميركية لوقف الغارات
وتشير الصحيفة إلى أن نتنياهو بدأ بالفعل بتقديم "تنازلات محدودة" للإدارة الأميركية. فبعد إعلان الاتفاق، واصل الجيش الإسرائيلي شن غارات على غزة، أسفرت، بحسب مسؤولين فلسطينيين، عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا وإلحاق أضرار بمخازن للمستلزمات الطبية.
وفي 2 آب/ أغسطس، قال القيادي الفلسطيني محمد دحلان إن جاريد كوشنر، صهر ترامب، أبلغه بأنه يعمل مع الجانب الإسرائيلي من أجل وقف الهجمات على غزة.
وفي اليوم التالي، اجتمع نتنياهو مع مسؤولين كبار في «مجلس السلام»، بينهم الممثل الأعلى للمجلس في غزة نيكولاي ملادينوف. وبحسب 3 مصادر مطلعة تحدثت إلى الصحيفة، وافق نتنياهو عقب الضغوط على إصدار أوامر للجيش بوقف الغارات.
وقال مسؤول في الدفاع المدني في غزة إن آخر غارة إسرائيلية وقعت مساء الإثنين الماضي، في الليلة نفسها التي اجتمع فيها مسؤولو «مجلس السلام» مع نتنياهو، فيما لم يتضح إلى متى سيستمر وقف الهجمات.
ويرى المسؤول الإسرائيلي السابق نمرود نوفيك أن نتنياهو «يستعرض عضلاته داخليًا، بينما يتخذ خطوات صغيرة باتجاه الاستجابة لبعض مطالب الإدارة الأميركية».
العقدة الأساسية: الانسحاب ونزع سلاح حماس
لكن الخطوات التالية ستكون أكثر حساسية سياسيًا. فنتنياهو يرفض انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل، فيما تنص الخطة على التزامات إسرائيلية تشمل وقف الغارات وإعادة انتشار القوات وزيادة المساعدات.
كما يسود تشكيك واسع في إسرائيل بشأن قدرة «مجلس السلام» على نزع سلاح حماس وتدمير أنفاقها ومخازن أسلحتها.
والاتفاق النهائي، بحسب الصحيفة، لا ينص بصيغته الحالية على تسليم حماس جميع أسلحتها بصورة مباشرة، وإنما يلزمها بـ«إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة وتخزينها»، ضمن عملية تقودها جهة فلسطينية تكنوقراطية جديدة مدعومة أميركيًا.
ولا تزال تفاصيل أساسية بحاجة إلى التفاوض، أبرزها الجدول الزمني لتسليم الأسلحة وكيفية انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
تغييرات في صيغة الاتفاق خلال المفاوضات
وتكشف «نيويورك تايمز» أن مفاوضي «مجلس السلام» أمضوا أشهرًا في تعديل نص الاتفاق خلال جولات المفاوضات مع قيادة حماس.
وبحسب مسؤولين مطلعين على المحادثات، حُذفت من المسودات المتأخرة بنود كانت تنص صراحة على عدم امتلاك حماس أي أسلحة، قبل التوصل إلى الصيغة النهائية المتعلقة بالأسلحة الثقيلة.
كما أن الاتفاق لا يصل إلى حد «الاستسلام الكامل» الذي تعهد نتنياهو بتحقيقه، ولا يتضمن نفي كبار القادة العسكريين لحماس، بل يتيح لبعض العاملين في أجهزة الحكومة التي تديرها الحركة الاستمرار في العمل بالقطاع العام.
الانتخابات تزيد الضغط على نتنياهو
تأتي المواجهة مع ترامب في توقيت سياسي حساس لنتنياهو، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر.
وتشير معظم استطلاعات الرأي، وفق الصحيفة، إلى حصول نتنياهو وحلفائه على نحو 51 إلى 53 مقعدًا من أصل 120، أي أقل من الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، فيما تتقدم في بعض الاستطلاعات قائمة جديدة يقودها رئيس أركان إسرائيلي سابق على حزب الليكود.
وتضيف الصحيفة أن مشاهد انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة قد تضعف محاولة نتنياهو إقناع ناخبي اليمين بأنه حقق النصر الذي وعد به، خصوصًا أن حماس لا تزال تسيطر على أجزاء من القطاع.
وهكذا يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة صعبة: الاستجابة لمطالب ترامب قد تكلفه أصواتًا من اليمين، بينما تحدي الرئيس الأميركي بصورة مباشرة قد يهدد علاقته بأهم حليف دولي لإسرائيل في مرحلة انتخابية شديدة الحساسية.


