تتسارع التطورات في الملف الإيراني على مسارين متوازيين؛ أحدهما دبلوماسي معقّد كشفت بعض تفاصيله صحيفة "وول ستريت جورنال"، والآخر تصعيدي تقوده واشنطن وتل أبيب عبر تصريحات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبينما تصف طهران ردّها على المقترحات الأمريكية بأنه "واقعي وإيجابي"، تشير التسريبات إلى فجوات عميقة لا تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي أحدث مؤشر على تعثر المسار التفاوضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه الصريح للرد الإيراني، قائلاً في تصريح مقتضب:"لقد قرأت للتو رد ما يُسمّى بممثلي إيران. لا يعجبني إطلاقًا.. إنه غير مقبول بالكامل".
من جانبه، قال مصدر إيراني مطلع، في تصريح نقلته وكالة تسنيم الإيرانية أنه:"حينما يبدي ترمب عدم رضاه عن الخطة فغالبا ما يكون ذلك مؤشرا على أن الخطة أفضل" مضيفًا:"رد فعل ترمب لا يهم فما من أحد في إيران يعكف على صياغة خطة لإرضاء الرئيس الأمريكي".
تفاصيل الرد الإيراني: "ترقيق اليورانيوم" مقابل فتح هرمز
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر مطلعة أن إيران سلّمت ردًا رسميًا "متعدد الصفحات" على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، تضمن بنودًا تقنية وسياسية مفصلة.
وبحسب التقرير، اقترحت طهران "ترقيق" جزء من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، ونقل الكمية المتبقية إلى دولة ثالثة لا تشمل الولايات المتحدة، مقابل الحصول على ضمانات بإعادة هذا المخزون في حال انهيار المفاوضات.
كما أبدت إيران استعدادًا لتعليق عمليات التخصيب لفترة زمنية محددة تقل عن 20 عامًا، لكنها رفضت بشكل قاطع تفكيك أي منشأة نووية.
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، تضمن الرد الإيراني مقترحًا لإنهاء القتال وفتح المضيق تدريجيًا، بالتزامن مع رفع الحصار والعقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
ورغم هذه الطروحات، أكدت المصادر أن الرد الإيراني لا يلبّي المطالب الأمريكية الجوهرية، خاصة في ما يتعلق بتقديم تعهدات حاسمة بشأن البرنامج النووي أو التخلي الكامل عن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
طهران تنفي: التسريبات "لا تعكس الواقع"
في المقابل، نفى مصدر إيراني مطّلع ما ورد في تقرير "وول ستريت جورنال"، مؤكدًا أن ما نُشر "لا يعكس الواقع في نقاط جوهرية"، لا سيما ما يتعلق بالمواد النووية الإيرانية.
وقال المصدر، في تصريحات لوكالة "تسنيم" الإيرانية، إن "الادعاءات المتعلقة بالمواد النووية غير صحيحة"، موضحًا أن المقترح الإيراني يركّز بالدرجة الأولى على "إنهاء فوري للحرب، وضمان عدم شن أي هجوم جديد على إيران"، إلى جانب ملفات أخرى ضمن إطار تفاهم سياسي شامل.
وأضاف أن النص الإيراني يشدد أيضًا على ضرورة رفع العقوبات الأمريكية، وإنهاء المواجهات في جميع الجبهات، إضافة إلى "إدارة إيرانية لمضيق هرمز"، وذلك مقابل التزام واشنطن بتعهدات محددة.
وأشار المصدر إلى أن من بين البنود الأساسية في المقترح الإيراني "إنهاء الحصار البحري فور توقيع التفاهم الأولي"، إلى جانب رفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية خلال فترة تمتد إلى 30 يومًا.
كما يتضمن المقترح، بحسب المصدر، الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالتزامن مع الاتفاق الأولي، إلى جانب خطوات أمريكية إضافية خلال الفترة نفسها.
إيران: الكرة في ملعب واشنطن
وفي السياق ذاته، أكد مسؤول إيراني رفيع لشبكة "الجزيرة" أن الرد الإيراني جاء "واقعيًا وإيجابيًا"، ويهدف إلى إنهاء التوترات في المنطقة، خاصة في لبنان.
وأوضح المسؤول أن طهران تصر على وجود "آلية مضمونة" لرفع العقوبات، وضمانات دولية واضحة لتنفيذ أي اتفاق، مشددًا على أن أي رد أمريكي إيجابي من شأنه دفع المفاوضات بسرعة نحو الأمام.
ترامب ونتنياهو يلوّحان بالخيار العسكري
في المقابل، اتسم الموقف الأمريكي-الإسرائيلي بتصعيد لافت، بعدما شنّ ترامب هجومًا حادًا على إيران، متهمًا إياها باتباع "سياسة المماطلة" لعقود، ومتهمًا إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما بمنح طهران "شريان حياة" ماليًا بمليارات الدولارات.
وفي تصريحات غير مسبوقة، لوّح ترامب ونتنياهو بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري المباشر، إذ قال ترامب إن الولايات المتحدة تراقب مواقع اليورانيوم الإيراني عبر "قوة الفضاء"، مضيفًا: "سنصل في مرحلة ما إلى اليورانيوم المخصب، وإذا اقترب أحد من هناك فسوف نفجّره".
أما نتنياهو، فلم يستبعد فكرة "الاقتحام الميداني"، مؤكدًا في مقابلة مع شبكة CBS أن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران "ليس مشكلة"، وأنه "يمكن الدخول فعليًا وأخذه"، معتبرًا أن هذه هي "الطريقة الأفضل" لضمان منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة أمام مفترق حساس؛ فبينما تعرض طهران صيغًا تفاوضية تشمل "ترقيق اليورانيوم" وفتح مضيق هرمز، ترفع واشنطن وتل أبيب سقف التهديد إلى مستوى "السيطرة الميدانية"، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان المسار سيتجه نحو تسوية كبرى أم نحو مواجهة مفتوحة.
First published: 23:00, 10.05.26




