بين مطالب مهنية متصاعدة وتحذيرات قانونية متزايدة، يعود ملف مناوبات الأطباء في مرحلة التخصص إلى صدارة النقاش العام، في ظل حديث رسمي عن إعداد مخطط جديد لتقليص ساعات العمل الطويلة التي قد تصل إلى 26 ساعة متواصلة. مختصون يؤكدون أن النظام الحالي يهدد سلامة الأطباء وجودة الرعاية الصحية، فيما تحذر منظمات مهنية من محاولات الالتفاف على الإصلاح المطلوب، في وقت يعاني فيه الجهاز الصحي من نقص حاد في الكوادر وضغط غير مسبوق على المستشفيات.
في هذا السياق، أكدت د. عبير سليمان عواودة، المختصة في الإدارة الطبية والمديرة العامة للمنتدى الأكاديمي لتطوير الصحة في المجتمع العربي، في حديث خاص لراديو الناس أن تغيير النظام الحالي بات ضرورة ملحّة وغير قابلة للتأجيل.
"نطلب من الطبيب قرارات مصيرية وهو مُنهك"
د. عبير سليمان عواودة: نطلب من الطبيب قرارات مصيرية وهو مُنهك
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
07:42
وقالت د. سليمان في حديثها لراديو الناس إن نظام المناوبات الطويلة «غير منطقي وغير صحي، لا للأطباء ولا للمرضى»، مضيفة: «لا يمكن أن نطالب طبيبًا باتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياة المرضى بعد 26 ساعة عمل متواصلة. هذا يشكل خطرًا حقيقيًا عليه وعلى المتعالجين على حد سواء».
وأوضحت أن فشل المخطط السابق لتقليص ساعات المناوبة لم يكن في مرحلة التنفيذ، بل في مرحلة التخطيط، مشيرة إلى أن واضعي المخطط لم يدرسوا تأثيراته الشاملة على الأقسام الطبية، ولا على مسار التأهيل المهني للأطباء المتخصصين. وتابعت: «المخطط الذي أُقر في أيلول 2023 لم يأخذ بالحسبان تضارب المصالح بين متطلبات تشغيل الأقسام، وحق الأطباء المتخصصين في ظروف عمل إنسانية وآمنة».
تراجع في التأهيل ونقص في الكوادر
وحذّرت سليمان من أن تقليص ساعات المناوبات دون توفير بدائل تنظيمية سيؤدي إلى إضعاف التأهيل المهني للأطباء المتخصصين، موضحة أن الجزء الأساسي من التعليم الطبي يتم خلال ساعات الصباح. وقالت إن «المتخصص الذي لا يتواجد صباحًا يخسر البرامج التعليمية، والنقاشات الطبية، والتوجيه المهني المباشر من الأطباء الأقدم، وهذا يمس بجوهر مرحلة التخصص».
وأضافت أن غياب المتخصصين عن ساعات الذروة الصباحية يؤدي أيضًا إلى تراجع جودة الخدمة الطبية بسبب نقص عدد الأطباء في الأقسام. وأكدت أن أي مخطط جديد يجب أن يستند إلى زيادة عدد الأطباء في الأقسام، إلى جانب ابتكار برامج تعليمية مساندة بعد ساعات الظهر لتعويض الفجوات التأهيلية، محذّرة من أن خيار إطالة سنوات التخصص «سيصطدم بعقبات مهنية ومادية وحياتية كبيرة».
«نقص حاد بالأطباء وزيادة الطين بلّة»
وشددت سليمان على أن الجهاز الصحي يعاني أصلًا من نقص حاد في الكوادر الطبية، معتبرة أن تقليص ساعات العمل دون توسيع عدد الوظائف سيؤدي إلى تفاقم الأزمة. وقالت: «نحن أمام قرارات جذرية تمس بنية الجهاز الصحي بأكمله، ويجب أن تضمن في الوقت ذاته نجاعة الخدمة وتأهيلًا مهنيًا كاملًا للأطباء المتخصصين».
عواد: تحذير قانوني من العودة إلى الوراء
غازي عواد: النقاش الدائر اليوم يعكس تراجعًا خطيرًا في المفاهيم المهنية
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:02
من جانبه، اعتبر المحامي غازي عواد، المستشار القانوني في منظمة الأطباء المتواجدين في مرحلة التخصص “مرشام”، أن النقاش الدائر اليوم يعكس تراجعًا خطيرًا في المفاهيم المهنية.
وقال عواد: «نحن في عام 2026، ومع ذلك ما زال هناك من يدّعي أن 21 ساعة مناوبة هي فترة قصيرة للطبيب. هذا ادعاء غير معقول ومخالف لكل المعايير الصحية».
وأوضح أن المنظمة أثبتت مرارًا أن مناوبات الـ26 ساعة تُلحق أضرارًا مباشرة بصحة الطبيب النفسية والجسدية، وتؤدي إلى تراجع جودة الأداء الطبي وارتفاع احتمالات الإهمال الطبي.
اتهامات للهستدروت وتقصير في الحلول
ووجّه عواد انتقادات حادة للهستدروت، معتبرًا أنها تتحرك بدوافع مالية لا مهنية، وتسعى إلى إعادة النظام القديم بدل البحث عن حلول مستدامة. وتابع: «بدل أن تُطرح مخططات تخدم الطبيب والمجتمع، يجري الالتفاف على المطالب وإعادة إنتاج نموذج أثبت فشله».
وأشار إلى أن منظمة “مرشام” قدمت بالفعل مقترحًا بديلًا لوزارة الصحة يضمن تقليص ساعات العمل مع الحفاظ على جودة التأهيل الطبي.
خطوات احتجاجية محتملة
وحول الخطوات القادمة، أكد عواد أن المنظمة بدأت بالفعل بخطوات احتجاجية قانونية، ولا تستبعد التصعيد في حال عدم التزام الجهات الرسمية بالوعود السابقة. وقال: «في حال جرى التراجع عن تقليص ساعات المناوبات أو عدم تخصيص الميزانيات اللازمة، فإن خيار الإضراب سيبقى مطروحًا، وإن لم يُتخذ بعد».
وختم عواد بالتحذير من الواقع القائم في المستشفيات: «نحن نتحدث عن ضغط يتجاوز 120% على المستشفيات. بين كل ستة مرضى، هناك مريض لا يتلقى العلاج. الحل ليس بإرهاق الأطباء، بل بضخ الميزانيات وزيادة عدد المتخصصين».


