دخلت حكومة بنيامين نتنياهو أيامها الأخيرة وهي تواجه واقعًا مختلفًا جذريًا عن الصورة التي رسمها رئيس الحكومة في خطاب الفوز بانتخابات 2022، حين تعهّد بإعادة الأمن، وخفض غلاء المعيشة، ورأب الانقسام الداخلي، وتوسيع دائرة السلام وتعزيز مكانة إسرائيل الدولية.
وبعد نحو 4 سنوات، تجد إسرائيل نفسها أمام حرب متعددة الجبهات لم تُغلق ساحاتها بعد، وأزمة داخلية متواصلة، وارتفاع في تكاليف المعيشة، إلى جانب تراجع في علاقاتها مع دول غربية، رغم الإنجازات العسكرية التي تدعي أنها حققتها خلال الحرب.
الأمن.. من "استعادة الردع" إلى 7 أكتوبر
ركّز نتنياهو في خطاب فوزه بالانتخابات، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، على الأمن، متعهدًا "باستعادة الفخر الوطني"، والتصرف بحزم مع التهديدات من دون "مغامرات غير ضرورية"، وحماية الجنود والمواطنين.
لكن التدهور الأمني بدأ قبل هجوم 7 أكتوبر 2023. وحتى آب/ أغسطس من ذلك العام قُتل 34 إسرائيليًا في هجمات، فيما شهدت الجبهة الشمالية تسلل مسلح من لبنان وتفجير عبوة قرب مجيدو، وإقامة حزب الله خيمة في منطقة جبل دوف، ومحاولة نسبت إلى الحزب لاستهداف وزير الأمن ورئيس أركان الجيش السابق موشيه يعلون.
وفي غزة، واصلت إسرائيل التعامل مع فرضية أن حماس معنية بالحفاظ على الهدوء، رغم الاضطرابات قرب السياج والتدريبات العسكرية العلنية وإطلاق البالونات الحارقة. ووفق تقرير "يديعوت أحرونوت"، سعت حكومة نتنياهو قبل الهجوم إلى زيادة الأموال القطرية المحولة إلى القطاع، قبل التوصل إلى تفاهمات في 29 أيلول/ سبتمبر 2023.
انهارت هذه التصورات في 7 أكتوبر، حين شنت حماس هجومها على بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية، ما أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص واقتياد 251 إلى قطاع غزة.
إنجازات عسكرية.. لكن الحرب لم تُغلق
منذ ذلك الحين، تحولت الحرب إلى مواجهة طويلة ومتعددة الجبهات. وبحسب "يديعوت أحرونوت"، فكك الجيش الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من الأطر العسكرية المنظمة لحماس وقتل معظم قادتها الذين كانوا في مواقعهم عشية الحرب، فيما قُتل 41 ممن اقتيدوا أحياء إلى غزة خلال فترة أسرهم.
وفي لبنان، انتقلت إسرائيل بعد أشهر من حرب الاستنزاف إلى هجوم واسع على حزب الله، قُتل خلاله أمينه العام حسن نصر الله وعدد كبير من قياداته، وتضررت منظومات القيادة والصواريخ وقوة الرضوان، كما دخل الجيش الإسرائيلي إلى الأراضي اللبنانية خلال مراحل من القتال.
وفي سوريا، استغلت إسرائيل انهيار النظام لمهاجمة مخازن أسلحة وقدرات عسكرية، بينما دخلت في مواجهة مباشرة مع إيران خلال جولتين في حزيران/ يونيو 2025، وبين شباط/ فبراير ونيسان/ أبريل 2026، استهدفت خلالهما منشآت نووية ومنظومات صاروخية ودفاعات جوية، إضافة إلى قادة ومسؤولين وعلماء نوويين إيرانيين.
ومع ذلك، يرى المحلل العسكري في القناة 12، نير دفوري، أن هدفًا واحدًا فقط من أهداف الحرب تحقق حتى الآن، وهو إعادة المختطفين، بينما لا تزال غزة ولبنان وسوريا وإيران جبهات مفتوحة. ويعتبر أن التحدي المقبل يتمثل في إنهاء القتال والتوصل إلى تفاهمات أمنية، خصوصًا في غزة ولبنان، فيما ترتبط الجبهة الإيرانية بدرجة كبيرة بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
الجيش تحت الضغط
تضع الحرب الطويلة الجيش أمام تحدٍ آخر يتمثل في إعادة بناء جاهزيته، وإعادة القوات إلى التدريبات، وتخفيف العبء عن جنود الاحتياط بعد سنوات من الاستدعاء المتكرر.
ويربط دفوري بين هذه الأزمة وبين قضية تجنيد الحريديين وقانون الإعفاء من الخدمة، معتبرًا أن استمرار العبء على الجنود والاحتياط لا يضر بالجيش فقط، بل بالعائلات وأماكن العمل والاقتصاد أيضًا.
ويشير إلى أن منظومة علاج المصابين جسديًا ونفسيًا تحتاج كذلك إلى إعادة تنظيم، في ظل وصول عدد المتوجهين للعلاج من إصابات نفسية إلى نحو 20 ألفًا، مع تقديرات في المؤسسة الأمنية بأن العدد قد يتضاعف.
غلاء المعيشة.. الوعود بقيت على الورق
إلى جانب الأمن، تعهّد نتنياهو في خطاب فوزه بالانتخابات بأن حكومته "ستخفض غلاء المعيشة". إلا أن اللجنة الوزارية التي شكلتها الحكومة لهذا الغرض لم تجتمع بعد جلستها الأولى، فيما ارتفعت خلال الولاية أسعار وخدمات أساسية.
ولم تتحقق تعهدات بتجميد ضريبة الأرنونا وخفض أسعار الكهرباء والمياه، بينما وصل سعر لتر البنزين 95 مؤخرًا إلى 8.25 شيكل قبل خفضه بنصف شيكل.
كما لم يُنفذ تعهد نتنياهو بأن تكون زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 18% مؤقتة، ولم تتحقق الخطة التي طُرحت لخفضها تدريجيًا حتى 12%.
الانقسام الداخلي التغييرات القضائية
لم يذكر نتنياهو التغييرات القضائية في خطاب فوزه، رغم تحوله بعد أسابيع فقط إلى القضية الداخلية الأبرز، بعدما أعلن وزير القضاء ياريف ليفين في كانون الثاني/ يناير 2023 خطة واسعة لتغيير النظام القضائي.
وأطلقت الخطة احتجاجات أسبوعية استمرت عشرات الأسابيع، في تناقض واضح مع تعهد نتنياهو ليلة الانتخابات "بخفض حدة الخطاب العام ورأب الصدوع"، فيما تراجعت الاحتجاجات بعد اندلاع الحرب، لكنها تحولت لاحقًا إلى مظاهرات ضد الحكومة وطريقة إدارتها للحرب وملف المختطفين، لتظل الانقسامات السياسية والاجتماعية حاضرة طوال الولاية.
من توسيع السلام إلى عزلة أوسع
تعهد نتنياهو كذلك بتوسيع "دائرة السلام" وإعادة إسرائيل إلى مكانتها بوصفها "قوة صاعدة بين الأمم". وقبل 7 أكتوبر بدت إمكانية التطبيع مع السعودية أقرب من أي وقت مضى، بعدما أعلن ولي العهد محمد بن سلمان في أيلول/ سبتمبر 2023 أن الطرفين "يقتربان كل يوم" من اتفاق.
لكن الحرب أبعدت هذا المسار، فيما توصلت واشنطن والرياض لاحقًا إلى اتفاق نووي بقيت إسرائيل خارجه، رغم تمسك إدارة ترامب بربط تقدمه بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
كما زاد صدور مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت من القيود على سفر رئيس الحكومة.
وفي الأسابيع الأخيرة، اتسعت كذلك الضغوط الغربية على إسرائيل، بعدما أعلنت بريطانيا عقوبات اقتصادية مرتبطة بالمستوطنات، وانضمت إليها 11 دولة أوروبية وغربية أعلنت نيتها فرض قيود على التجارة مع المستوطنات التي تعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وفي موازاة ذلك، يرى المحلل العسكري للقناة 12 أن إسرائيل مطالبة بالحفاظ على تحالفاتها العسكرية والإقليمية التي بنتها خلال السنوات الماضية، بعدما لعب التعاون مع الولايات المتحدة ودول في المنطقة دورًا خصوصًا في الدفاع الجوي خلال المواجهات مع إيران.
وبذلك تنتهي الولاية التي بدأت بشعارات "الأمن" و"خفض غلاء المعيشة" و"رأب الانقسام" و"توسيع السلام"، فيما لا تزال الحرب وجبهاتها المفتوحة، وإعادة تأهيل الجيش، ومستقبل غزة ولبنان وإيران، والانقسام الداخلي، أبرز الملفات التي ستنتقل إلى الحكومة الإسرائيلية المقبلة.


