يبلغ موسم قطف الزيتون ذروته في العديد من البلدات العربية، وسط حركة نشطة في الحقول والمعاصر، وتفاوت في حجم المحصول ونسب استخراج الزيت بين منطقة وأخرى، فيما تستعيد العائلات أجواء موسم يحمل أبعادًا اجتماعية وثقافية تتجاوز قيمته الاقتصادية، ويرتبط بتاريخ الأرض والعادات والتقاليد المتوارثة.
وفي حديثين منفصلين لراديو الناس، استعرض سهيل سمعان، ممثل منطقة الشمال في مجلس الزيت والزيتون من قرية الرامة، وأحمد إغبارية، صاحب معصرة الروحة في قرية معاوية، أبرز ملامح الموسم الحالي، والعوامل المؤثرة على الإنتاج والأسعار، إلى جانب التحديات التي تواجه المزارعين ومخاطر الغش في زيت الزيتون.
الرامة: موسم الزيتون يتراوح بين 30% و40% من الإنتاج الكامل
سهيل سمعان: موسم الزيتون يتراوح بين 30% و40% من الإنتاج الكامل
غرفة الأخبار مع محمد أبو العز محاميد
06:07
قال سهيل سمعان، إن موسم الزيتون الحالي في قرية الرامة أفضل من العام الماضي الذي شهد ضعفًا شديدًا في الإنتاج، لكنه لا يزال بعيدًا عن مستويات الموسم الكامل.
وأوضح سمعان، في حديث لراديو الناس، أن أراضي الرامة تضم نحو 15 ألف دونم مزروعة بأشجار الزيتون، مشيرًا إلى أن تقديراته الميدانية تشير إلى أن المحصول الحالي يتراوح بين 30% و40% من طاقته الإنتاجية في المواسم الوفيرة.
وأضاف: "لم يكن لدينا موسم زيتون فعلي في العام الماضي، أما هذا العام فتشير تقديراتنا إلى أن الإنتاج يتراوح بين 30% و40% من الموسم الكامل، وهذه النسب حددناها من خلال جولات ميدانية لمعاينة الأشجار والمحصول".
وأشار إلى أن موسم القطاف في الرامة يبدأ عادة في وقت متأخر مقارنة ببلدات أخرى، موضحًا أن الأهالي يفضلون الانتظار حتى ما بعد العشرين من تشرين الثاني، بسبب اعتمادهم بصورة أساسية على إنتاج الزيتون الأسود المكبوس، وليس فقط استخراج الزيت.
وقال: "في الرامة لا نتعجل قطف الزيتون، لأن جزءًا أساسيًا من إنتاجنا مخصص للزيتون الأسود المكبوس، ولذلك نبدأ القطاف عادة بعد العشرين من تشرين الثاني، خلافًا لبلدات أخرى تبدأ الموسم في تشرين الأول".
اختلاف مواعيد القطاف بين البلدات العربية
وتطرق سمعان إلى الاختلافات التاريخية في مواعيد قطف الزيتون بين مناطق الجليل، موضحًا أن طبيعة النشاط الزراعي والظروف المناخية ونوعية المحصول كانت تحدد موعد القطاف. وأشار إلى أن بلدات مثل سخنين وعرابة ومناطق أخرى كانت تبدأ قطف الزيتون مبكرًا، حتى يتمكن المزارعون من استكمال أعمال حراثة الأراضي وتجهيزها للمحاصيل الزراعية الأخرى.
أما في الرامة، فقد شكل الزيتون مصدر دخل رئيسيًا للأهالي، ما انعكس على توقيت القطاف وطريقة التعامل مع الأشجار.
واستذكر سمعان، البالغ من العمر 88 عامًا، مكانة موسم الزيتون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية سابقًا، قائلًا: "كان الناس يشترون احتياجاتهم من الدكاكين بالدَّين، ويعدون أصحابها بالسداد عند حلول موسم الزيتون، لأن دخل العائلات كان يعتمد بصورة كبيرة على هذا الموسم".
تحذيرات من زيت الزيتون المغشوش
وحذر سمعان من انتشار ممارسات غش في سوق زيت الزيتون، مشيرًا إلى وجود منتجات تُعرض بأسعار منخفضة للغاية مقارنة بتكاليف إنتاج الزيت الأصلي. وقال إن سعر تنكة زيت الزيتون التي يعتبرها ذات جودة جيدة يتراوح حاليًا بين 600 و700 شيكل، في حين تُعرض منتجات أخرى بأسعار تتراوح بين 300 و400 شيكل، محذرًا من احتمال خلط بعضها بزيوت نباتية أقل تكلفة.
وأضاف: "وصلتنا عينات من زيت يُباع بأسعار تتراوح بين 300 و400 شيكل للتنكة، وبعد فحصها تبين لنا أنها مغشوشة. وقد يلجأ بعض البائعين إلى خلط زيت الزيتون بزيوت أخرى، ثم وضع طبقة من زيت الزيتون على السطح لإيهام المشتري بأن المنتج أصلي". وأوضح أن بعض ممارسات الغش قد تعتمد، بحسب تقديراته، على استخدام نسب مرتفعة من زيوت أخرى، مع إضافة كمية محدودة من زيت الزيتون.
ودعا المستهلكين إلى عدم الاعتماد على السعر أو المظهر الخارجي وحدهما للحكم على جودة الزيت، والتأكد من مصدر المنتج وإجراء الفحوص اللازمة عند الشك في أصالته. هذه الأسعار وتقييمات الغش واردة في تصريحات سمعان، ولا تمثل تسعيرة رسمية أو نتائج فحوص مستقلة موثقة في المادة المتاحة.
معصرة الروحة: العناية بالأشجار طوال العام
أحمد إغبارية: موسم الزيتون يجمع العائلات حول المعاصر
غرفة الأخبار مع محمد أبو العز محاميد
09:30
من جانبه، وصف أحمد إغبارية، صاحب معصرة الروحة في قرية معاوية، موسم الزيتون الحالي بأنه جيد نسبيًا، مع وجود تفاوت واضح في حجم الإنتاج بين المزارعين. وقال إغبارية لراديو الناس: "لا يمكن وصف الموسم بأنه ممتاز، لكنه موسم جيد. هناك مزارعون تحمل أشجارهم محصولًا وفيرًا، وآخرون لديهم إنتاج متوسط أو أقل من المتوسط".
وأوضح أن الفروقات لا ترتبط بالعوامل المناخية وحدها، وإنما أيضًا بمقدار اهتمام المزارعين بأشجارهم طوال العام. وأضاف: "هناك من يتذكر أشجار الزيتون فقط عند حلول موسم القطاف في تشرين الأول، وهناك من يعتني بها طوال السنة، من خلال التقليم والتسميد ومعالجة الآفات والأمراض. وهذا ينعكس بصورة مباشرة على صحة الأشجار وحجم المحصول".
وأشار إلى أن أمراضًا مثل عين الطاووس وبعض الآفات التي تصيب أغصان الأشجار تؤثر على قدرتها الإنتاجية، وتستوجب متابعة زراعية مستمرة.
لماذا تختلف كمية الزيت المستخرجة من المحصول نفسه؟
وتناول إغبارية أسباب تفاوت نسبة استخراج الزيت بين المزارعين، موضحًا أن نوع الزيتون ودرجة نضجه ونظافة الثمار وطريقة العناية بالأشجار تؤثر جميعها على كمية الزيت الناتجة. وأشار إلى أن الزيتون النبالي، المعروف في مناطق الشمال باسم الزيتون السوري، يتميز عادة بنسبة استخراج جيدة، بينما تختلف النسبة في الأصناف المحسنة والمخصصة بصورة أكبر للكبس.
وقال: "الزيتون النبالي الأصلي لم تتجاوز نسبة استخراج الزيت منه هذا الموسم نحو 25% في الحالات التي تابعناها، بينما وصلت النسبة لدى بعض المزارعين في مواسم سابقة إلى 33%. أما بعض الأصناف المحسنة المخصصة للكبس، فتتراوح نسبة استخراج الزيت منها بين 13% و15%".
وأكد أن نظافة المحصول قبل وصوله إلى المعصرة عامل بالغ الأهمية، محذرًا من خلط الثمار بكميات كبيرة من الأوراق والأغصان، لما قد يسببه ذلك من تأثير سلبي على جودة الزيت ومذاقه. وأضاف: "كان أهلنا في الماضي ينقّون الزيتون بعناية شديدة، حبة تلو الأخرى، كما تُنقّى حبوب العدس. أما اليوم، فيصل جزء من المحصول محملًا بالأوراق والأغصان، وهذا قد يؤثر على جودة الزيت ويزيد مرارته".
موسم الزيتون يجمع العائلات حول المعاصر
وفي جانب آخر من المقابلة، تحدث إغبارية عن الأجواء الاجتماعية التي ترافق موسم الزيتون، مؤكدًا أن المعاصر لا تزال تشهد حضورًا عائليًا، ولا سيما خلال العطل المدرسية. وأوضح أن العائلات تصطحب أبناءها إلى المعصرة لمشاهدة مراحل استخراج الزيت، وتناول الطعام التقليدي الذي يتضمن خبز الطابون واللبنة والزيت الطازج.
وقال: "في أيام العطل تمتلئ المعصرة بالعائلات والأطفال. يأتي الآباء والأمهات برفقة أبنائهم، ويحضرون الخبز والطعام، ويجلسون معًا لتذوق الزيت الذي أنتجته أشجارهم. وهذه من أجمل العادات التي لا تزال موجودة".
وحذر إغبارية من بعض الممارسات التقليدية التي قد تؤثر على جودة الزيت وتخزينه، ومنها وضع الخبز مباشرة تحت مخرج الزيت في المعصرة، مشيرًا إلى احتمال انتقال فتات الخبز إلى الزيت والتأثير على جودته لاحقًا.
مشروع ارتبط بالدفاع عن الأرض
واستعرض إغبارية تاريخ إقامة معصرة الروحة في قرية معاوية، موضحًا أن فكرة تأسيسها بدأت عام 1998، في أعقاب النضال الشعبي المرتبط بأراضي الروحة. وأشار إلى أنه أراد إقامة مشروع زراعي يخدم المزارعين ويسهل عليهم عملية عصر الزيتون داخل المنطقة نفسها، بدلًا من اضطرارهم إلى نقل المحصول لمسافات بعيدة.
وقال: "بعد أحداث أراضي الروحة عام 1998، فكرت في ضرورة إقامة مشروع يخدم المزارعين ويساعدهم على التمسك بأرضهم. كانت المنطقة واسعة ومزروعة بالزيتون، وأصحابها متمسكون بها، ولذلك أقمنا المعصرة في قلب أراضي الروحة".
وأوضح أن المعصرة تقع على بعد نحو أربعة إلى خمسة كيلومترات من شارع 65، وتتيح للمزارعين إيداع محاصيلهم بصورة منظمة حتى يحين دورهم في العصر. وأضاف أن نظام العمل يعتمد على ترتيب وصول المحاصيل دون تمييز بين المزارعين، مؤكدًا: "الجميع متساوون، ولا أفضلية لأحد على حساب الآخر".
مخاوف من تراجع ارتباط الأجيال الشابة بالأرض
وعبّر إغبارية عن قلقه إزاء تراجع مشاركة بعض أبناء الأجيال الشابة في أعمال الزراعة وقطف الزيتون، مقارنة بما كان عليه الحال في الأجيال السابقة. وقال: "للأسف، لم يعد بعض الشباب يحافظون على الأرض كما حافظ عليها آباؤنا وأجدادنا. نرى أحيانًا مزارعين كبارًا في السن يأتون مع عمال لقطف الزيتون، ثم يجدون أنفسهم وحدهم في حمل الأكياس وترتيب المحصول".
وأشار إلى أن تغير ظروف العمل والحياة أسهم في ابتعاد الكثير من الشباب عن النشاط الزراعي اليومي، لكنه شدد على إمكانية الجمع بين الوظائف الحديثة والحفاظ على الأرض.
واستشهد بتجربته العائلية، موضحًا أن أحد أبنائه يأخذ إجازة من عمله في المستشفى خلال موسم الزيتون للمساعدة في المعصرة، فيما يعمل أبناؤه الآخرون في قطاعات مختلفة.
وفي محاولة لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بموسم الزيتون، أكد إغبارية أن معصرته تستقبل مجموعات من طلاب المدارس، بهدف تعريفهم بمراحل إنتاج الزيت وأهمية زراعة الزيتون. وأوضح أن الزيارات تُنظم بالتنسيق مع إدارات المدارس، وتشمل جولات داخل المعصرة وشرحًا لمراحل استقبال الثمار وتنظيفها وعصرها، وصولًا إلى استخراج الزيت.
وقال: "نستقبل طلاب المدارس ونشرح للمعلمين مراحل العمل، ثم يرافقون الطلاب في جولات داخل المعصرة ليتعرفوا عن قرب على كيفية إنتاج الزيت. من المهم أن يعرف الأطفال قيمة الأرض والعمل الذي يبذله المزارع قبل أن يصل الزيت إلى المائدة".
تحديات التأمين الزراعي ودعم المزارعين
أما سهيل سمعان، فتطرق إلى الصعوبات التي يواجهها المزارعون في مجال التأمين الزراعي والتعويض عن تراجع المحاصيل، منتقدًا التغييرات التي طرأت على تقديرات إنتاج الدونم الواحد، وانعكاساتها على قيمة التعويضات. وأوضح أن مجلس الزيت والزيتون عمل في سنوات سابقة على تقديم مساعدات للمزارعين، من بينها المساهمة في شراء خزانات مناسبة لتخزين الزيت، بحيث يتحمل المزارع نصف التكلفة وتساهم الجهات الداعمة بالنصف الآخر.
كما أشار إلى بحث سبل مساعدة أصحاب المعاصر على معالجة مخلفات عصر الزيتون، ولا سيما مياه الجفت أو العكر، باعتبارها من التحديات البيئية التي تواجه هذا القطاع. وأكد أهمية توفير دعم عملي للمزارعين بما يضمن استمرار الإنتاج والحفاظ على جودة الزيت ومواجهة التكاليف المتزايدة.


