أثارت تصريحات الإعلامية الإسرائيلية أيالا حسون، مقدمة البرامج في هيئة البث الإسرائيلية "كان 11"، موجة من الانتقادات والاستنكار، بعدما ربطت المشاركة الانتخابية الواسعة للنساء العربيات البدويات في النقب بصور نمطية تتعلق بالعنف الأسري وتعدد الزوجات ومخصصات التأمين الوطني، في تصريحات اعتبرتها مؤسسات حقوقية ونسوية عنصرية ومسيئة، وتستهدف التشكيك بشرعية الصوت العربي في انتخابات الكنيست الأخيرة.
وجاءت تصريحات حسون خلال مقابلة إذاعية، وصفت فيها نساء بدويات يرتدين النقاب بأنهن غالبًا نساء يتعرضن للعنف، وربطت بين معسكر التغيير السياسي والنساء البدويات، في سياق أثار اعتراضات على استخدام الانتماء القومي والمظهر الديني للتشكيك بالمشاركة السياسية.
وفي أعقاب التصريحات، تقدمت جمعيتا "سيكوي–أفق" و"مركز إعلام" بشكوى رسمية إلى إدارة هيئة البث الإسرائيلية، مطالبتين بفتح تحقيق ومساءلة حسون بشأن أقوالها، فيما تصاعدت الدعوات النسوية لاتخاذ إجراءات قانونية ومهنية بحقها.
نزهة الهزيّل: "العار للمؤسسات التي تمنح منبرًا للأصوات العنصرية"
نزهة الهزيّل: "العار للمؤسسات التي تمنح منبرًا للأصوات العنصرية"
هذا النهار مع شيرين يونس
05:45
وقالت البروفيسور نزهة الهزيّل، المحاضرة في علم الاجتماع والناشطة النسوية من النقب، وعضو إدارة الجمعية الأوروبية لأبحاث العمل الاجتماعي، في حديث لراديو الناس، إن تصريحات حسون تمثل إساءة مباشرة للنساء العربيات، وتعكس جهلًا بواقع المرأة البدوية ودورها الاجتماعي والسياسي.
وأضافت الهزيّل: "الخزي والعار لمؤسسة إعلامية تمنح منبرًا لأصوات عنصرية مثل أيالا حسون، التي تطلق أحكامًا على النساء البدويات دون معرفة بحياتهن وواقعهن، انطلاقًا من دوافع عنصرية. وفي المقابل، كل الفخر لنسائنا العربيات في الجنوب والشمال، اللواتي أثبتن حضورهن وصمودهن وفاعليتهن رغم الظروف الصعبة والحصار الذي عانين منه، ولا سيما في النقب".
واعتبرت الهزيّل أن تصريحات حسون لا تستهدف النساء المشاركات في الانتخابات فحسب، وإنما تمس بمكانة المرأة العربية عمومًا، وبحقها في التعبير عن موقفها السياسي بحرية وكرامة.
وأكدت أن هذه التصريحات لن تنال من مكانة النساء العربيات أو تقلل من أهمية مشاركتهن، قائلة: "مجتمعنا لن تهزه تصريحات من هذا النوع، بل إنها تزيد النساء إصرارًا وصمودًا. فكلمات أيالا حسون لن تؤثر في عظمة المرأة العربية ولا في إنجازاتها".
دعوات إلى إقالة حسون وملاحقتها قانونيًا
وفيما يتعلق بالخطوات المطلوبة للرد على التصريحات، كشفت الهزيّل عن تحركات لتوحيد مواقف أكاديميين وناشطات نسويات، بهدف المطالبة بإجراءات فعلية بحق حسون.
وقالت: "نعمل على ضم أصوات أكاديميين وناشطات للمطالبة، في الحد الأدنى، بإقالتها من منصبها، وإحالة القضية إلى الجهات القضائية المختصة، لأن ما صدر عنها لا يقتصر على إبداء موقف، بل يتضمن تحريضًا على النساء العربيات في الجنوب".
وشددت على أهمية استخدام الأدوات القانونية لمواجهة التصريحات التي تنطوي على التعميم والإساءة بحق مجموعات سكانية كاملة، معتبرة أن مسؤولية هيئة البث الرسمية تتجاوز السماح بعرض الآراء المختلفة إلى ضمان عدم تحويل منصاتها إلى وسيلة للتحريض والتمييز.
"المرأة البدوية لم تكن يومًا على هامش مجتمعها"
وتطرقت الهزيّل إلى تجربتها البحثية الطويلة في دراسة واقع النساء العربيات في النقب، مؤكدة أن الصورة التي تقدمها بعض الدراسات ووسائل الإعلام لا تعكس بالضرورة الدور الحقيقي للمرأة البدوية داخل المجتمع.
وأوضحت أن بداية أبحاثها الأكاديمية كشفت لها فجوة كبيرة بين ما كُتب عن النساء البدويات بوصفهن مهمشات، وبين ما وجدته خلال المقابلات الميدانية مع نساء من أجيال مختلفة. وقالت: "عندما بدأت بحثي، قرأت الكثير من الدراسات التي وصفت المرأة البدوية بأنها تعيش على هامش المجتمع. لكنني عندما التقيت النساء واستمعت إلى تجاربهن، اكتشفت أن أيًا منهن لم تضع نفسها في الهامش، بل كن في صميم المجتمع، ويمثلن عمودًا أساسيًا في بنائه واستمراره".
وأضافت أن النساء البدويات كن دائمًا شريكات في بناء المجتمع والحفاظ على تماسكه، رغم القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واجهنها، مشيرة إلى أن الدراسات التي تنتجها باحثات من داخل المجتمع العربي تسهم في تقديم صورة أكثر دقة وتنوعًا عن تجارب النساء.
وفي معرض انتقادها الحكم على النساء من خلال مظهرهن الخارجي، استحضرت الهزيّل تجربتها الشخصية التي تناولتها في كتابها "على الحدود" (On the Border). وقالت: "أينما ذهبت، ينظر كثيرون إلى غطاء رأسي بدلًا من النظر إلى شخصيتي وإنجازاتي. وهذه هي المشكلة ذاتها في تصريحات حسون، التي حكمت على آلاف النساء من خلال مظهرهن الخارجي، دون أن تعرف شيئًا عن حياتهن أو إنجازاتهن".
وأكدت أن ارتداء النقاب أو غطاء الرأس لا يجوز أن يتحول إلى أساس للحكم على المرأة أو التشكيك في استقلاليتها وحقوقها، مشددة على أن اختيار اللباس حق شخصي لا ينتقص من مكانة المرأة أو أهليتها للمشاركة في الحياة العامة.
"سيكوي–أفق": تصريحات حسون تمس بشرعية أصوات آلاف النساء
هديل عزام جلاجل: تصريحات حسون تمس بشرعية أصوات آلاف النساء
هذا النهار مع شيرين يونس
05:20
من جانبها، قالت هديل عزام جلاجل، المديرة الشريكة لقسم العمل الجماهيري في جمعية "سيكوي–أفق"، إن الجمعية تقدمت، بالتعاون مع "مركز إعلام"، بشكوى رسمية إلى المدير العام لهيئة البث الإسرائيلية، ومفوض شكاوى الجمهور ورئيس لجنة الأخلاقيات الداخلية، على خلفية تصريحات حسون.
وأوضحت جلاجل، في حديث لراديو الناس، أن الشكوى تتمحور حول استخدام الانتماء القومي والعرقي للنساء البدويات وسيلة للتشكيك بشرعية مشاركتهن الانتخابية. وقالت: "استخدام الخصائص العرقية والقومية للمساس بشرعية أصوات مئات وآلاف النساء العربيات البدويات في النقب أمر غير مقبول، ويشكل انتهاكًا لمبادئ أساسية في مدونة الأخلاقيات التي وضعتها هيئة البث العامة نفسها".
وأضافت أن الجمعيتين طالبتا بفتح تحقيق رسمي في التصريحات، والحصول على موقف واضح من هيئة البث، إلى جانب توضيح مسؤوليتها عن تصريحات العاملين فيها عندما تصدر خارج برامجها ومنصاتها الرسمية.
هل تتحمل هيئة البث مسؤولية تصريحات موظفيها خارج القناة؟
وأشارت جلاجل إلى أن صدور تصريحات حسون خلال مقابلة في وسيلة إعلامية أخرى لا يعفي هيئة البث الإسرائيلية من مسؤوليتها المهنية والأخلاقية. وقالت: "لا يمكن اعتبار صدور التصريحات خارج منصة هيئة البث سببًا لإعفائها من المسؤولية. فأيالا حسون معروفة للجمهور بوصفها إحدى الإعلاميات البارزات في الهيئة، وتصريحاتها تؤثر في ثقة الجمهور بها وبالإعلام العام الذي تمثله".
وأكدت أن المطلوب ليس الاكتفاء بتوضيح إعلامي أو رد شكلي، وإنما اتخاذ إجراءات عملية تضمن تطبيق قواعد السلوك المهني على جميع العاملين في الهيئة، بغض النظر عن مواقعهم ونفوذهم.
وكشفت جلاجل أن لجنة الأخلاقيات الداخلية في هيئة البث الإسرائيلية من المقرر أن تجتمع اليوم الاثنين لمناقشة تصريحات حسون والخطوات الواجب اتخاذها. وقالت: "نأمل أن تسفر هذه المرة عن نتائج فعلية وحقيقية، وألا تنتهي المسألة بالتغطية على التصريحات أو التعامل معها وكأن شيئًا لم يحدث، لأننا نتحدث عن انتهاكات واضحة لعدة بنود من مدونة الأخلاقيات المهنية لهيئة البث".
وأضافت أن محاولات تبرير التصريحات لا تغير من طبيعتها، مؤكدة أن الجمعيتين تعتبرانها تعميمات عنصرية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الإساءة للنساء العربيات والتشكيك في حقوقهن السياسية.
وفي المقابل، نفت حسون أن تكون لديها نية عنصرية، وقالت في تصريح لموقع "آيس" الإسرائيلي إنها أرادت توجيه انتقاد سياسي إلى معسكر الأحزاب الليبرالية بشأن مواقفه من الشراكة مع الأحزاب العربية.
معطيات مقلقة حول التمثيل العربي في الإعلام العبري
ووسّعت جلاجل دائرة النقاش، معتبرة أن تصريحات حسون ليست قضية معزولة عن واقع تمثيل المجتمع العربي في وسائل الإعلام العبرية، بل تأتي ضمن سياق أوسع من ضعف حضور الأصوات العربية في تغطية القضايا التي تمس المجتمع العربي بصورة مباشرة.
واستعرضت معطيات رصد تتعلق بالتغطية الإعلامية لقضايا شطب القوائم والمرشحين العرب من انتخابات الكنيست، مشيرة إلى أن هيئة البث الإسرائيلية سجلت حضورًا محدودًا للغاية في تناول هذه القضايا. وقالت: "عندما فحصنا التغطية الإعلامية لقضايا شطب القوائم والمرشحين العرب، وجدنا أن هيئة البث كانت في أدنى مستويات التمثيل، إذ لم تتناول القضية إلا في 7 مواد من أصل 143 مادة إعلامية رصدناها، دون استضافة أي متحدث عربي في تلك التغطية".
واعتبرت أن هذه المعطيات، وفق الرصد الذي استعرضته الجمعية، تعكس خللًا في تمثيل المواطنين العرب داخل وسائل الإعلام العبرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية وحقوقية ترتبط مباشرة بحقوقهم ومستقبلهم. وأضافت أن التشكيك بشرعية الصوت العربي في الانتخابات يجب النظر إليه أيضًا في سياق أوسع من غياب الأصوات العربية عن النقاشات الإعلامية المتعلقة بقضاياها، وما ينجم عن ذلك من تكريس للصور النمطية وحرمان الجمهور من الاطلاع على وجهات نظر متنوعة.
من المشاركة الانتخابية إلى معركة الاعتراف بالحقوق السياسية
وتأتي هذه التطورات بعد الانتخابات الأخيرة للكنيست، التي شهدت مشاركة واسعة في المجتمع العربي، لا سيما في بلدات النقب، حيث برز حضور النساء العربيات في العملية الانتخابية.
وترى الهزيّل أن هذه المشاركة تعكس دورًا اجتماعيًا وسياسيًا متراكمًا للمرأة العربية، وليس ظاهرة عابرة مرتبطة باستحقاق انتخابي واحد، مؤكدة أن النساء سيواصلن حضورهن في الحياة العامة وممارسة حقوقهن السياسية.
وفي المقابل، تشدد جمعية "سيكوي–أفق" على ضرورة الانتقال من استنكار التصريحات إلى مساءلة مؤسسية واضحة، تضع حدودًا للتعميمات العنصرية وتضمن تمثيلًا منصفًا للمجتمع العربي في الإعلام العام.
وبين المطالبات النسوية بالمحاسبة، والتحركات الحقوقية أمام هيئة البث، تتجاوز القضية حدود تصريحات إعلامية منفردة، لتفتح نقاشًا أوسع حول مسؤولية الإعلام الإسرائيلي في احترام كرامة النساء العربيات، والتعامل مع مشاركتهن السياسية باعتبارها ممارسة لحق ديمقراطي، بعيدًا عن التنميط والتشكيك الجماعي بشرعية أصواتهن.


