أقرت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع، اليوم (الأحد)، اقتراح وزير الخارجية جدعون ساعر الاعتراف رسميًا بـ"الإبادة الجماعية للأرمن"، في خطوة تُعد تحولًا تاريخيًا في السياسة الإسرائيلية بعد عقود من الامتناع عن اتخاذ هذا الموقف خشية الإضرار بالعلاقات مع تركيا وأذربيجان.
ويتضمن القرار إدانة إنكار "إبادة الأرمن" أو التقليل من شأنها أو تحريفها، وهي صياغة تمس إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة لتركيا، التي ترفض استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف ما جرى للأرمن بين عامي 1915 و1917. ومن المقرر أن يُحال القرار إلى الكنيست بهدف تثبيته كخطوة رسمية على مستوى الدولة.
وقال ساعر خلال جلسة الحكومة إن "الوقت حان لأن تقوم إسرائيل، بصفتها دولة يهودية، بإضفاء الطابع الرسمي على هذا الموقف"، مضيفًا أن الاعتراف "واجب أخلاقي وتاريخي"، وأنه "ليس من المتأخر أبدًا القيام بالأمر الصحيح".
وجاء في شرح القرار أن "حملة الإبادة بدأت في نيسان/أبريل 1915 باعتقال وترحيل وقتل مئات القادة والمثقفين الأرمن في القسطنطينية، قبل أن تتوسع إلى عمليات قتل ممنهجة للرجال، وأعمال سخرة، وتهجير جماعي للنساء والأطفال والمسنين عبر "مسيرات الموت" نحو الصحراء السورية، فيما تشير التقديرات إلى مقتل نحو مليون ونصف المليون أرمني".
ويمثل القرار أحد أبرز التحولات في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه تركيا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ امتنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال عقود عن الاعتراف الرسمي بـ"الإبادة"، رغم طرح مشاريع قوانين متكررة في الكنيست، لاعتبارات سياسية واستراتيجية.
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن الأدوات التي كانت تؤخر المصادقة الرسمية فقدت معظم تأثيرها، إذ إن العلاقات مع أنقرة متدهورة أصلًا، بينما بات استمرار الامتناع عن الاعتراف أكثر صعوبة من الناحية الأخلاقية والسياسية.
ساعر: القرار ليس ردًا على عداء تركيا
وادعى ساعر أن القرار لا يُطرح باعتباره خطوة انتقامية من تركيا، رغم التوتر القائم، وقال إن "كون تركيا تروّج لروايات كاذبة ضد إسرائيل لا يمنحها حصانة من الحقيقة التاريخية".
في المقابل، تدرك إسرائيل أن القرار قد ينعكس أيضًا على علاقاتها مع أذربيجان، التي تنظر بحساسية شديدة إلى أي خطوة تُفسَّر على أنها تبنٍ للرواية الأرمنية، خاصة بعد حروب إقليم ناغورنو قره باغ، وكانت قد نقلت في السابق رسائل تحذير لإسرائيل من أن الاعتراف الرسمي قد يؤثر في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
وترى إسرائيل أن الخطر العملي الأكبر يتمثل في احتمال أن ترد باكو بإجراءات قد تمس التعاون الأمني أو الاستخباراتي أو في مجال الطاقة، في حين يُتوقع أن تستقبل أرمينيا القرار باعتباره فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
كما يُنظر إلى القرار في إسرائيل على أنه يقرب موقفها من موقف الولايات المتحدة، التي اعترف رئيسها السابق جو بايدن رسميًا بالإبادة الجماعية للأرمن عام 2021، إلى جانب عشرات الدول الغربية الأخرى.
وتتوقع التقديرات الإسرائيلية أن ترد تركيا بانتقادات وإجراءات دبلوماسية، إلا أن المسؤولين الاسرائيليين يعتبرون أن العلاقات الثنائية بلغت أصلًا مستوى متدنيًا يجعل الكلفة السياسية لهذه الخطوة أقل بكثير مما كانت عليه في السابق، مؤكدين أن ما تغيّر هو البيئة الجيوسياسية التي تتحرك فيها إسرائيل.


