تشهد صناعة التكنولوجيا موجة إنفاق غير مسبوقة على الذكاء الاصطناعي، بدأت تترك آثارًا مباشرة على قطاعات اقتصادية أخرى، من سوق الهواتف الذكية إلى مشاريع البناء والبنية التحتية، وسط تحذيرات من اختناقات حادة في الموارد والعمالة والاستثمار.
وبحسب معطيات حديثة، تتجه خمس من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي العامة إلى إنفاق نحو 700 مليار دولار خلال عام 2026 على بناء وتجهيز مراكز بيانات ضخمة تعتمد على رقائق حوسبة متقدمة، وهو رقم يقارب ثلاثة أرباع الميزانية السنوية الأخيرة للجيش الأميركي، ويشكّل قفزة تقارب الضعف مقارنة بإنفاق عام 2025.
نقص في الرقائق وارتفاع متوقّع بأسعار الهواتف
وأفاد محللون في قطاع التكنولوجيا بأن الطلب الهائل من شركات الذكاء الاصطناعي على الرقائق الإلكترونية يسحب كميات كبيرة من السوق، ما يخلق نقصًا لدى مصنّعي الهواتف والحواسيب. وتوقّع خبراء أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر بنسبة قد تتجاوز 5 بالمئة خلال العام الجاري، مع احتمال استمرار هذه الزيادات لسنوات إذا تواصلت الطفرة.
وأشار تقرير إلى أن شركات أصغر قد تجد نفسها عاجزة عن المنافسة في ظل ارتفاع التكاليف، ما قد يدفع بعضها إلى الخروج من السوق أو تقليص إنتاجها.
مراكز البيانات تزاحم مشاريع الإسكان والبناء
ولا يقتصر الأثر على قطاع التكنولوجيا، إذ يؤدي التوسع السريع في بناء مراكز البيانات إلى استنزاف اليد العاملة المتخصصة، خصوصًا الكهربائيين والعمّال المهرة. وقال اقتصاديون في قطاع البناء إن مشاريع الإسكان والمصانع والمرافق الصحية باتت تتأخر أو توضع على الهامش، لأن مشاريع مراكز البيانات أكثر ربحية للمقاولين.
ووفق بيانات رسمية، ارتفع الإنفاق على بناء مراكز البيانات في الولايات المتحدة بنسبة 32 بالمئة خلال عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه، في حين سجّل قطاع العقارات التجارية الأخرى نموًا ضعيفًا أو حتى تراجعًا في بعض المجالات.
تحذيرات من فجوة استثمارية داخل وادي السيليكون
وفي موازاة ذلك، أظهر تحليل استثماري أن نحو ثلث التمويل الموجّه للشركات الناشئة في الولايات المتحدة ذهب إلى 1 بالمئة فقط من الشركات الأعلى قيمة، معظمها في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تراجع تمويل الشركات المتوسطة إلى أدنى مستوى له منذ عقد.
وحذّر خبراء من أن هذا التمركز في التمويل قد يضعف الابتكار على المدى البعيد، ويخلق فجوة متزايدة بين شركات “النخبة” وبقية السوق، ما قد يهدد تنوّع الأفكار والنمو المتوازن في قطاع التكنولوجيا.
مكاسب محتملة… ومخاطر متصاعدة
ورغم تأكيد شركات التكنولوجيا أن الإنفاق الضخم بدأ يدرّ عائدات متزايدة من مستخدمين وشركات تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي، يرى منتقدون أن حجم الاستثمار بات هائلًا إلى درجة لا يمكن تبريرها اقتصاديًا إلا إذا غيّر الذكاء الاصطناعي شكل الحياة والعمل والاقتصاد بصورة جذرية.
ويجمع محللون على أن العوائد الحقيقية لا تزال بعيدة زمنيًا، في حين أن النقص في الموارد وارتفاع الأسعار وتأثيرات الاختناق الاقتصادي باتت ملموسة اليوم، ما يضع صناع القرار أمام معادلة معقّدة بين دعم الابتكار ومنع اختلالات أوسع في الاقتصاد.


