أقيم أمس في مدينة لوس أنجلِس حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الـ 98، الحدث السينمائي الأبرز عالميًا، الذي تنظّمه أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحرّكة لتكريم أبرز إنجازات السينما خلال العام الماضي. وقد استضاف الحفل مسرح دولبي في هوليوود، وقدّمه الممثل والكوميدي الأميركي كونان أوبراين، فيما تنافست أفلام عام 2025 على الجوائز في 24 فئة مختلفة.
وفي دورة هذا العام، سجّل الحضور العربي محطة لافتة مع ترشيح فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة في فئة أفضل فيلم دولي، ممثّلًا تونس. ويتناول الفيلم قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب من خلال دراما وثائقية تستند إلى التسجيلات الصوتية الحقيقية لمكالماتها الأخيرة خلال الحرب على غزة. ورغم أنّ الفيلم لم يفز بالجائزة في النهاية، فإنّ وصوله إلى قائمة الترشيحات النهائية عُدّ إنجازًا مهمًّا في حضور السينما العربية على منصّة الأوسكار.
ومن هذه المحطة الراهنة، يمكن العودة إلى تاريخ الحضور العربي في الجائزة. فمنذ انطلاق الأوسكار عام 1929، ظلّ هذا الحضور متقطّعًا، لكنّه شهد عبر العقود لحظات مفصلية؛ فقد تنوّعت المشاركات بين أفلام تقدّمت رسميًا باسم دول عربية، وأعمال شارك فيها فنّانون من أصول عربية ضمن الإنتاج السينمائي العالمي، إلى جانب أفلام تناولت قضايا عربية في إطار إنتاجات دولية. وبين هذه المسارات الثلاثة، تشكّلت تدريجيًا ملامح الحضور العربي في أهمّ جوائز السينما في العالم.
أفلام فازت أو ترشّحت باسم دول عربية
يُعدّ هذا المسار الأكثر وضوحًا في سجلّ الأوسكار، إذ يمثّل مشاركة السينما العربية رسميًا باسم دولها.
ويُسجَّل أوّل فوز مرتبط بدولة عربية في عام 1970، عندما حصد فيلم "Z"، وهو إنتاج جزائري-فرنسي مشترك للمخرج كوستا غافراس، جائزتي أفضل فيلم أجنبي وأفضل مونتاج. وقد تقدّم الفيلم رسميًا باسم الجزائر، ليصبح أوّل عمل يرتبط بدولة عربية يفوز بالأوسكار.
بعد ذلك بسنوات، بدأت مشاركات عربية متفرّقة في فئة أفضل فيلم أجنبي (التي تُعرف اليوم باسم أفضل فيلم دولي)، وهي الفئة التي تتنافس فيها الأفلام غير الأميركية التي ترشّحها دولُها رسميًا. ومن أبرز هذه الترشيحات:
• الجزائر: فيلم "غبار الحياة" (Dust of Life) الذي ترشّح عام 1996.
• فلسطين: فيلم "الجنّة الآن" للمخرج هاني أبو أسعد، الذي وصل إلى الترشيحات النهائية عام 2006، وكان أوّل فيلم فلسطيني يدخل المنافسة الرسمية.
• الجزائر مجدّدًا: فيلم "أيام المجد" (Days of Glory) عام 2007، ثمّ "خارج القانون" (Outside the Law) عام 2011 للمخرج رشيد بوشارب.
• فلسطين مرة أخرى: فيلم "عُمَر" لهاني أبو أسعد، الذي ترشّح عام 2014.
• الأردن: فيلم "ذيب" للمخرج ناجي أبو نوّار، الذي دخل المنافسة عام 2016.
• لبنان: سجّل حضوره الأوّل بترشيح فيلم "قضية رقم 23" للمخرج زياد دويري عام 2018، ثمّ "كفرناحوم" للمخرجة نادين لبكي عام 2019.
• تونس: أوّل ترشيح لها جاء عام 2021 عبر فيلم "الرجل الذي باع ظهره" للمخرجة كوثر بن هنيّة.
وفي فئات الأفلام الوثائقية، ظهرت كذلك مشاركات عربية لافتة، منها:
• الوثائقي المصري-الأميركي "الميدان" (2014) للمخرجة جيهان نجيم.
• الوثائقي السوري "آخر الرجال في حلب" (2018).
• الوثائقيان السوريان "من أجل سما" و"الكهف" اللذان ترشّحا في عام 2020.
أمّا أحدث الإنجازات المرتبطة بالسينما الفلسطينية، فجاء مع فوز فيلم "لا أرض أخرى" (No Other Land) بجائزة أفضل فيلم وثائقي طويل في الدورة الـ97 من جوائز الأوسكار عام 2025، وهو فوز يُعدّ محطة بارزة في حضور القضايا الفلسطينية داخل السينما العالمية.
فنانون عرب الأصل في السينما العالمية
إلى جانب الأفلام التي مثّلت دولًا عربية رسميًا، برز حضور العرب كذلك من خلال فنانين شاركوا في إنتاجات سينمائية عالمية. ويُعدّ الممثل المصري عمر الشريف أوّل فنان عربي يرشَّح للأوسكار، وذلك عام 1963 عن أفضل ممثل مساعد في فيلم "لورنس العرب" (Lawrence of Arabia)؛ ورغم عدم فوزه بالجائزة، فإنّ ترشيحه شكّل محطة مبكرة ومهمّة في حضور الفنانين العرب في هوليوود.
وفي عام 1997، فاز المؤلّف الموسيقي اللبناني-الفرنسي غابرييل يارد بجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية عن فيلم "The English Patient"، قبل أن يُرشَّح لاحقًا مرتين أخريين عن موسيقى فيلمي "The Talented Mr. Ripley" و"Cold Mountain".
أمّا الإنجاز الأبرز في هذا المسار فجاء عام 2019، حين فاز الممثل الأميركي من أصول مصرية رامي مالك بجائزة أفضل ممثل عن أدائه شخصية المغنّي فريدي ميركوري في فيلم "Bohemian Rhapsody"، ليصبح أوّل ممثل من أصول عربية يفوز بهذه الفئة.
أفلام مرتبطة بالعالم العربي ضمن إنتاجات دولية
إلى جانب الترشيحات الرسمية للدول العربية أو إنجازات الفنانين العرب، هناك أعمال سينمائية ارتبطت بالعالم العربي موضوعًا أو سياقًا، لكنّها لم تكن إنتاجات عربية بالكامل. من أبرز الأمثلة على ذلك فيلم "The Battle of Algiers" (معركة الجزائر)، الذي تناول كفاح الجزائريين ضدّ الاستعمار الفرنسي. ورغم ارتباطه الوثيق بتاريخ الجزائر، فقد ترشّح للأوسكار باسم إيطاليا، ونال لاحقًا ترشيحات في فئات أفضل إخراج وأفضل سيناريو.
وبين ترشيحات متفرّقة وإنجازات متباعدة عبر العقود، يواصل صناع السينما العرب محاولاتهم للوصول إلى منصّة الأوسكار؛ وربّما لا تختصر الجوائز وحدها أثر هذه الأعمال، لكنّ حضورها المتزايد يثبت أن القصص العربية أصبحت جزءًا من المشهد السينمائي العالمي.


