عاد مضيق باب المندب إلى صدارة المخاوف الاقتصادية والأمنية العالمية، بعد تقدم قوات الحوثيين في اليمن باتجاه مواقع استراتيجية مطلة على الممر البحري، بينها جزيرة بريم الواقعة في قلب المضيق، ما يعزز قدرة الحركة على التأثير في حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن.
ويكتسب التطور أهمية خاصة لأن باب المندب لا يمثل مجرد ممر إقليمي، بل حلقة أساسية في الطريق البحري الرابط بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وتشير تقديرات نقلتها "رويترز" إلى أن إغلاق المضيق أو تعطيله على نطاق واسع قد يؤثر في نحو 7% من تجارة النفط العالمية ونحو 12% من التجارة العالمية عمومًا.
ضغط متزامن على هرمز وباب المندب
خطورة التطورات تتضاعف بسبب تزامنها مع اضطرابات مستمرة في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل التصعيد الأخير نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وأظهرت بيانات حديثة انخفاض حركة السفن التجارية عبر هرمز إلى مستويات أدنى بكثير من المعتاد، فيما تراجعت الحركة أيضًا عبر باب المندب. وبذلك تواجه أسواق الطاقة احتمال تعرض اثنين من أهم الممرات البحرية للنفط في العالم للضغط في الوقت نفسه.
وتجلت التداعيات بالفعل في سوق النقل البحري، إذ قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط العملاقة من خليج عُمان إلى الصين إلى مستويات قياسية، ووصلت في بعض الحالات إلى ما يعادل نحو 11.5 دولارًا إضافيًا لكل برميل من النفط المنقول، مع ارتفاع أقساط المخاطر وتراجع عدد السفن المستعدة للعمل في المنطقة.
النفط السعودي في قلب الأزمة
وتزامن تقدم الحوثيين مع ضغوط إضافية على البنية التحتية النفطية السعودية. وأوقفت الرياض مؤقتًا خط أنابيب "شرق–غرب"، الممتد على نحو 1,200 كيلومتر، إثر هجوم بمسيّرة، وهو الخط الذي اكتسب أهمية استثنائية خلال الفترة الأخيرة لقدرته على نقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.
وكان الخط ينقل في الفترة الأخيرة ما بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من إمدادات النفط العالمية، بحسب "رويترز".
كما أفادت وكالة الطاقة الدولية بأن إمدادات الخام السعودية هبطت في آب/ أغسطس إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد سلسلة هجمات طالت منشآت ومسارات للشحن مرتبطة بقطاع الطاقة السعودي.
من البحر الأحمر إلى جيب المستهلك
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند أسعار النفط. فكلما ازدادت المخاطر في باب المندب، تلجأ شركات شحن إلى تغيير مسارات سفنها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني رحلات أطول واستهلاكًا أكبر للوقود وارتفاعًا في تكاليف التأمين والشحن.
وتنعكس هذه التكاليف تدريجيًا على أسعار السلع المستوردة، من المواد الغذائية والمنتجات الصناعية إلى الوقود والمواد الخام، ما يجعل اضطراب المضيق عاملًا إضافيًا قد يدفع التضخم إلى الارتفاع في دول بعيدة جغرافيًا عن منطقة الصراع.
وبين هرمز شرقًا وباب المندب غربًا، تبدو تجارة الطاقة العالمية اليوم محاصرة بين نقطتي اختناق بحريتين في آن واحد؛ وهو سيناريو يجعل أي تصعيد جديد في المنطقة قادرًا على الانتقال سريعًا من الجغرافيا العسكرية إلى أسعار الوقود والنقل والسلع في الأسواق العالمية.
First published: 17:59, 12.09.26


