شهدت قرية المشيرفة في وادي عارة هدم خمسة منازل ذاتيًا خلال 24 ساعة، بعد صدور أوامر هدم بذريعة البناء دون ترخيص، في مشهد وصفه الأهالي والناشطون بأنه "مؤلم ومرعب"، خصوصًا أن العائلات اضطرت إلى هدم منازلها بأيديها لتفادي الغرامات المالية الباهظة وتكاليف الهدم التي قد تفرضها السلطات.
وبحسب المعطيات التي طُرحت في مقابلات عبر "راديو الناس"، فإن ثلاثة منازل هُدمت ذاتيًا في المشيرفة، بعد يوم واحد فقط من هدم منزلين آخرين بالطريقة نفسها، ما رفع عدد المنازل المهدومة خلال يوم واحد تقريبًا إلى خمسة منازل.
"الهدم الذاتي أصبح ظاهرة مؤلمة"
أحمد ملحم: "الهدم الذاتي أصبح ظاهرة مؤلمة"
استوديو المساء مع فرات نصار
07:22
وقال أحمد ملحم، رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن في وادي عارة، إن ما جرى في المشيرفة ليس حالة منفصلة، بل يأتي ضمن ظاهرة آخذة بالاتساع في البلدات العربية.
وأضاف: "الهدم الذاتي أصبح ظاهرة في السنوات الأخيرة، وهذا أمر محزن جدًا إلى أبعد الحدود. أهل المشيرفة شاهدوا هذا الفيلم المرعب، أن يهدم الإنسان بيته بيده، من دون أن يجد في المحاكم إنصافًا لقضيته".
وأوضح ملحم أن بعض البيوت المهددة أو التي هُدمت ليست حديثة البناء، بل يعود بعضها إلى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، مؤكدًا أن الحديث لا يدور فقط عن بناء جديد، وإنما عن أزمة تخطيط متراكمة منذ عقود.
بيوت قائمة منذ السبعينيات
أحمد زكي: بيوتنا قائمة منذ السبعينيات
استوديو المساء مع فرات نصار
04:14
من جهته، قال أحمد زكي إغبارية، صاحب أحد البيوت التي هُدمت، إن بيت والده بُني عام 1978، فيما بُني بيت خاله عام 1976، أي أن الحديث يدور عن بيوت قائمة منذ نحو 44 إلى 50 عامًا.
وأضاف: "منذ أن كنت في العاشرة من عمري، كنت أسمع والدي يقول إن هناك أمر هدم. كل خمس أو ست سنوات كانوا يفتحون الملف، ثم توقف الأمر فجأة حتى عام 2021، حين عادوا وفتحوا الملف من جديد".
وأوضح إغبارية أن المحكمة منحت العائلة مهلة لتنفيذ الهدم، انتهت في 28 و29 نيسان 2026، مشيرًا إلى أن العائلة انتظرت حتى اللحظات الأخيرة على أمل الحصول على قرار يؤجل التنفيذ، لكن دون نتيجة.
وقال: "انتظرنا رد المحكمة حتى الساعة الثالثة، ثم مُدد الوقت حتى السادسة والنصف. في النهاية قيل لنا إن علينا هدم البيت، وإلا فالسلطات والجرافات جاهزة. اضطررنا إلى الهدم ذاتيًا من الساعة السادسة حتى الحادية عشرة ليلًا".
الخوف من الغرامات الباهظة
وأكد إغبارية أن قرار الهدم الذاتي لم يكن خيارًا حرًا، بل جاء نتيجة الخوف من الغرامات المالية الضخمة التي قد تُفرض على العائلة في حال نفذت السلطات الهدم بنفسها.
وقال: "هدمنا ذاتيًا لأننا خفنا من الغرامات المالية الباهظة، من الملايين التي كانوا يتحدثون عنها. هذا ليس خيارًا سهلًا، لكنه فُرض علينا".
وأضاف أنه لا ينوي الصمت بعد هدم منزله، داعيًا المجلس المحلي ولجان التنظيم والجهات الشعبية إلى التحرك الجدي لمنع تكرار هذه الحالات. وقال: "أتمنى أن يكون هذا آخر بيت يُهدم في الوسط العربي، لكنني لن أسكت. سأواصل العمل، وما خسرته لن أسكت عنه".
أزمة تخطيط لا أزمة فردية
ويرى أحمد ملحم أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في أوامر الهدم، بل في غياب التخطيط الملائم للبلدات العربية، وغياب حلول عملية لاحتياجات السكن، خصوصًا لدى العائلات التي لا تملك أراضي خاصة يمكن البناء عليها.
وقال ملحم إن الخرائط التفصيلية التي تُدفع في البلدات العربية لا تقدم حلًا شاملًا، لأنها غالبًا تُخطط على أراضٍ خاصة يملكها أفراد محددون، بينما يبقى جزء واسع من السكان دون أي حل حقيقي.
وأضاف: "عندما تُطرح خارطة تفصيلية، يجب أن نعرف أنها غالبًا تخص فلانًا وعلانًا وأراضيهم، ومبروك لهم، لكن ماذا عن البقية؟ هناك 60% أو 70% من المواطنين لا يملكون أراضي، وهذه الخرائط لا تحاكي أكثر من نصف المجتمع".
انتقادات لأداء السلطات المحلية ولجان التنظيم
وانتقد ملحم ما وصفه بتباطؤ السلطات المحلية ولجان التنظيم في التعامل مع أزمة السكن والبناء غير المرخص، معتبرًا أن مطالبة المواطنين بعدم البناء دون توفير بدائل حقيقية أمر غير منطقي. وقال: "ليس معقولًا أن تطلب من مجتمع كامل أن يتوقف عن البناء من دون أن توفر له حلًا. الناس تريد أن تبني، ولا يمكن أن يبقى مجتمع كامل في الطرقات".
وأضاف أن التخطيط في البلدات العربية يستغرق سنوات طويلة، قد تصل أحيانًا إلى خمس أو عشر سنوات، بينما الحاجة إلى السكن آنية وملحّة، ما يدفع المواطنين إلى البناء في ظل غياب الخيارات.
"سياسة تهجير" وشعور بحرب داخلية
وفي حديثه، عبّر أحمد زكي إغبارية عن غضبه من سياسة الهدم، واعتبر أن ما يحدث في المجتمع العربي هو شكل من أشكال الضغط والتهجير.
وقال: "نحن هنا نعيش حربًا. هذه هي الحرب التي تُمارس علينا في الداخل، سياسة تهجير. يريدونني أن أخرج، ويريدون أن يخرج غيري، لكننا لن نسمح بذلك. نحن باقون هنا، وسنبقى في أرضنا ووطننا".
دعوة لجلسات طارئة وخطة مواجهة
وأكد أحمد ملحم أن اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن ستتابع الملف، مشيرًا إلى توجه لعقد جلسة في المجلس المحلي، وأخرى في لجنة التنظيم في وادي عارة، لبحث سبل مواجهة هذه الظاهرة.
وقال إن المطلوب هو تشكيل طواقم مهنية عاجلة لمرافقة العائلات المهددة، والعمل على حلول تخطيطية فورية، بدل الاكتفاء بنداءات عدم البناء أو انتظار مسارات تخطيطية طويلة لا تُنقذ البيوت المهددة بالهدم. وأضاف أن أزمة الهدم الذاتي، وغياب الخرائط الملائمة، وانعدام الحلول لمن لا يملكون أراضي، تشكل مجتمعة أزمة كبرى في المجتمع العربي، تتطلب تحركًا جماعيًا من السلطات المحلية واللجان الشعبية والقيادات المهنية.





