54 عامًا على رحيل غسان كنفاني: أديبٌ جعل من الرواية ذاكرةً إنسانية تتجاوز الزمن

وُلد كنفاني في مدينة عكا عام 1936، وانتقل مع عائلته إلى لبنان ثم إلى سوريا عقب أحداث عام 1948، وهي التجربة التي انعكست بوضوح في معظم إنتاجه الأدبي

|
2 عرض المعرض
غسان كنفاني
غسان كنفاني
غسان كنفاني
(وفق البند 27 أ)
بعد أربعة وخمسين عامًا على رحيل الأديب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني، لا تزال أعماله الأدبية تحظى بحضور واسع في الأوساط الثقافية والأكاديمية حول العالم، بوصفها من أبرز التجارب الروائية العربية في القرن العشرين. فقد استطاع، خلال مسيرة قصيرة انتهت وهو في السادسة والثلاثين من عمره، أن يترك إرثًا أدبيًا ما زال يُقرأ ويُترجم إلى لغات عديدة، وأن يرسّخ اسمه كأحد أبرز الأصوات التي تناولت قضايا اللجوء والهوية والاقتلاع الإنساني من خلال الرواية والقصة القصيرة.
وُلد كنفاني في مدينة عكا عام 1936، وانتقل مع عائلته إلى لبنان ثم إلى سوريا عقب أحداث عام 1948، وهي التجربة التي انعكست بوضوح في معظم إنتاجه الأدبي. إلى جانب نشاطه الأدبي، عمل في الصحافة، وتولى رئاسة تحرير مجلة "الهدف"، كما انخرط في العمل السياسي وكان متحدثًا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وخلال سنوات قليلة، قدّم كنفاني مجموعة من الروايات والمجموعات القصصية التي أصبحت من كلاسيكيات الأدب العربي الحديث، وفي مقدمتها رجال في الشمس، وعائد إلى حيفا، وما تبقى لكم، وأرض البرتقال الحزين، وأم سعد. وتميزت كتاباته بلغة مكثفة وسرد سريع، مع اعتماد تقنيات حديثة مثل تعدد الأصوات والاسترجاع وتداخل الأزمنة، إلى جانب توظيف الرموز اليومية البسيطة، كالخزان والبرتقال والمنزل، لإضفاء أبعاد إنسانية على شخصياته وقصصه.
2 عرض المعرض
غسان كنفاني
غسان كنفاني
غسان كنفاني
(وفق البند 27 أ)
وتُعد رواية "رجال في الشمس"، الصادرة عام 1963، من أشهر أعماله وأكثرها تأثيرًا، إذ تروي رحلة ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت بحثًا عن فرصة حياة أفضل، لتنتهي رحلتهم بمأساة داخل خزان شاحنة، في رواية تحولت لاحقًا إلى الفيلم السينمائي المخدوعون. أما رواية "عائد إلى حيفا"، فقد تناولت أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة من خلال قصة زوجين يعودان إلى منزلهما بعد سنوات طويلة ليواجها واقعًا مختلفًا عمّا تركاه خلفهما.
ولم يقتصر حضور كنفاني على تناول القضية الفلسطينية في بعدها السياسي، بل ركّز في أعماله على الإنسان وتجربته اليومية، فجاءت شخصياته بعيدة عن المثالية، تحمل مخاوفها وأخطائها وتناقضاتها، وهو ما منح نصوصه بعدًا إنسانيًا ساهم في استمرار حضورها لدى أجيال متعاقبة من القراء داخل العالم العربي وخارجه.
وتُرجمت مؤلفات كنفاني إلى العديد من اللغات، وأصبحت مادة للدراسة في جامعات ومؤسسات أكاديمية، كما اقتُبست بعض أعماله للمسرح والسينما، ما عزز مكانته كأحد أبرز الأدباء الفلسطينيين والعرب في القرن الماضي.
وفي الثامن من تموز/يوليو 1972، قُتل غسان كنفاني في انفجار استهدف سيارته في العاصمة اللبنانية بيروت، وأسفر أيضًا عن مقتل ابنة شقيقته، لميس نجم. ونسبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد من المصادر العملية إلى الموساد، في حين لم يصدر آنذاك إعلان رسمي من الجانب الإسرائيلي يتبنى العملية.
وبعد 54 عامًا على رحيله، ما زال اسم غسان كنفاني حاضرًا في المشهد الثقافي العربي والعالمي، ليس فقط بوصفه روائيًا وصحفيًا، بل ككاتب ترك إرثًا أدبيًا استمر في إثارة النقاش حول قضايا الهوية والذاكرة واللجوء، وجعل من الأدب مساحة لتوثيق التجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة، وهو ما حافظ على حضور أعماله في الذاكرة الثقافية حتى اليوم.