حرب إيران تغيّر الاقتصاد العالمي: "العالم لن يعود كما كان"

تؤكد تقديرات اقتصادية أن الحرب على إيران أحدثت تحولات عميقة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مع صعود دور الصين وتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع المخاوف بشأن أمن الإمدادات.

1 عرض المعرض
مضيق هرمز الأسبوع الماضي
مضيق هرمز الأسبوع الماضي
مضيق هرمز الأسبوع الماضي
(استخدام الصورة وفقا لبند 27أ من حقوق النشر)
أحدثت الحرب على إيران تحولات عميقة في الاقتصاد العالمي يصعب التراجع عنها، حتى مع اقتراب التوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران قد تضع حدًا للتصعيد العسكري والاضطرابات التي طالت أسواق الطاقة والتجارة في الخليج.
ورغم أن الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران قد يمهد لمرحلة أكثر هدوءًا، فإن الاقتصاد العالمي لن يعود إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب التي بدأت مع الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير، إذ أطلقت الحرب سلسلة من التغيرات الهيكلية التي يُتوقع أن تستمر لسنوات.
إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية
وأدت الاضطرابات الحادة في إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط والارتفاع الكبير في الأسعار إلى إعادة رسم موازين القوى في أسواق الطاقة. وتسعى الدول المنتجة، من الخليج إلى الأميركيتين، إلى تعزيز مواقعها أو توسيع حصصها السوقية، بينما تكثف الدول المستوردة جهودها لتقليل اعتمادها على مصادر الطاقة التقليدية وتعزيز أمن الإمدادات.
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن التغيرات لا تقتصر على أسواق الطاقة فحسب، بل تشمل أيضًا مزيج مصادر الطاقة والجهات الفاعلة فيها.
وقد دفعت الأزمة الأخيرة، وهي الثانية خلال أربع سنوات بعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، العديد من الدول إلى تسريع البحث عن بدائل للطاقة المستوردة. وفي حين لجأت بعض الدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى زيادة استخدام الفحم، فإن الاتجاه طويل الأمد يشير إلى تسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
ويؤكد خبراء أن التطورات الكبيرة في تقنيات البطاريات وكفاءة الطاقة جعلت التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة أكثر واقعية من أي وقت مضى، فيما سجل شهر نيسان/أبريل الماضي سابقة تاريخية تمثلت في تجاوز إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إنتاج الكهرباء من الغاز الطبيعي على مستوى العالم.
انقسامات جديدة بين كبار المنتجين
الحرب كشفت أيضًا عن تصدعات داخل معسكر الدول المنتجة للنفط. فقد تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات، ما دفع أبوظبي إلى الانسحاب من تحالف "أوبك بلس"، وهو تطور قد يؤدي إلى زيادة تقلبات أسواق النفط مستقبلاً.
كما دفعت هذه التطورات الرياض إلى تعزيز تقاربها مع موسكو، في وقت تستفيد فيه روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة ومن تخفيف مؤقت لبعض العقوبات الأميركية المفروضة عليها، ما وفر لها إيرادات إضافية من صادرات النفط والغاز.
الصين المستفيد الأكبر
ويرى التقرير أن الصين تبرز بوصفها المستفيد الاقتصادي الأكبر من التحولات الجارية، مع توقعات باستمرار التوسع العالمي في مشاريع الطاقة المتجددة وتنويع شبكات الطاقة.
وتتمتع بكين بتفوق كبير في إنتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات والمحولات الكهربائية والكابلات عالية الجهد، إضافة إلى أنظمة إدارة شبكات الطاقة.
ويمنح هذا التفوق الصناعي الصين نفوذًا استراتيجيًا متزايدًا، إذ تصبح شريكًا أساسيًا للدول الساعية إلى تعزيز أمنها الطاقي.
في المقابل، يعتبر التقرير أن السياسات الأميركية الهادفة إلى الحد من مشاريع الطاقة المتجددة تضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة في هذا القطاع وتمنح الصين أفضلية تكنولوجية وصناعية متزايدة.
تراجع الثقة بالممرات التجارية والأمن الإقليمي
ومن أبرز التداعيات التي رصدها التقرير تراجع الثقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان البحري الرئيسي لنقل النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية.
ورغم عدم وضوح ما إذا كانت إيران ستفرض رسومًا على السفن العابرة للمضيق، فإن الحرب أظهرت قدرتها على تعطيل حركة التجارة متى شاءت، ما يزيد من المخاطر والتكاليف على شركات الشحن والتأمين.
كما تعرضت صورة الاستقرار والازدهار التي سعت دول الخليج إلى ترسيخها خلال السنوات الأخيرة إلى ضربة قوية، بعدما استهدفت الهجمات الإيرانية دولًا عدة في المنطقة، بينها قطر والسعودية والإمارات.
وألحقت الضربات أضرارًا بمنشآت الطاقة القطرية، فيما تعرض مجمع بتروكيماويات في السعودية للقصف، بينما أثارت الهجمات على منشآت سياحية وتقنية في الإمارات مخاوف المستثمرين والزوار.
ضربة لمكانة الولايات المتحدة
ويرى التقرير أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب خوض الحرب ضد إيران، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في السياسات الأميركية، أضعف الثقة الدولية بقدرة واشنطن على الحفاظ على النظام الاقتصادي العالمي.
كما اعتبر محللون أن استمرار إيران في تحدي الضغوط الأميركية شكّل ضربة لصورة الولايات المتحدة كضامن للأمن الدولي، خصوصًا بعد أن فشلت في ضمان حرية الملاحة بشكل كامل في الخليج.
نمو أبطأ وتضخم أعلى
اقتصاديًا، دفعت الحرب المؤسسات الدولية إلى خفض توقعاتها للنمو العالمي. فبعد أن كانت المؤشرات مطلع العام توحي بتحسن الأوضاع الاقتصادية وتراجع التضخم، عدّل البنك الدولي توقعاته وخفض تقديراته للنمو العالمي إلى 2.5% خلال العام الحالي، مقارنة بـ2.9% في عام 2025.
وفي الوقت نفسه، عادت معدلات التضخم إلى الارتفاع، إذ سجل التضخم السنوي في الولايات المتحدة 4.2% خلال شهر أيار/مايو، بينما بدأت الأسواق تتوقع رفعًا جديدًا لأسعار الفائدة بدلًا من خفضها.
كما رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى 2.25%، محذرًا من أن الحرب في الشرق الأوسط تولد ضغوطًا تضخمية إضافية.
أعباء مالية متزايدة على الحكومات
ويشير التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة سيزيد الضغوط على الحكومات المثقلة أصلًا بالديون، خاصة مع اضطرارها إلى تخصيص مزيد من الأموال لدعم الأسر المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة المخاطر الأمنية المتنامية.
وقد بدأت الاقتصادات الآسيوية، الأكثر تضررًا من الأزمة، بطلب قروض طارئة من بنك التنمية الآسيوي لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية للحرب.
ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة أكثر اضطرابًا وتقلبًا، الأمر الذي يضعف قدرة الشركات والحكومات على التخطيط طويل الأمد ويحد من فرص الاستثمار والنمو المستدام خلال السنوات المقبلة.