تحذير طبي جديد ينهي أسطورة "شرب الكحول المعتدل": لا كمية آمنة من الإصابة بالسرطان

خبراء يحذرون من ارتباط الكحول بأمراض الكبد والسرطان والقلب والمناعة والدماغ والتوقف عن الشرب قد يساعد الجسم على التعافي تدريجيًا 

3 عرض المعرض
 تناول الكحول
 تناول الكحول
تناول الكحول
(فلاش 90)
تتغير النظرة الطبية إلى الكحول بصورة واضحة في السنوات الأخيرة، مع تزايد الأبحاث التي تشير إلى أنه لا توجد كمية آمنة تمامًا من المشروبات الكحولية، حتى تلك التي اعتُبرت سابقًا "معتدلة" أو مقبولة اجتماعيًا، مثل كأس نبيذ في المساء أو زجاجة بيرة مع الأصدقاء.
وتشير المعطيات الطبية الحديثة إلى أن الكحول يرتبط بعشرات الأمراض، ويؤثر في خلايا الجسم، ويزيد الالتهابات، ويُحمّل أجهزة مختلفة أعباء صحية متراكمة، بينها الكبد والدماغ وجهاز المناعة، فضلًا عن رفع خطر الإصابة بالسرطان والسكري وأمراض القلب.

نهاية الاعتقاد القديم: "الشرب المعتدل مفيد للقلب"

لسنوات طويلة ساد اعتقاد بأن الشرب المعتدل لا يسبب ضررًا كبيرًا، بل قد يوفر حماية معينة للقلب، خصوصًا عند الحديث عن النبيذ الأحمر. لكن هذا التوافق الطبي بدأ يتراجع أمام تراكم الأدلة البحثية التي تربط حتى الكميات المنخفضة من الكحول بمخاطر صحية ملموسة.
وتقول البروفيسورة شيرا زلبر-شاغي، المختصة في الصحة العامة من جامعة حيفا ورئيسة لجنة الصحة العامة في الجمعية الأوروبية لدراسة الكبد، إن الإجماع الطبي حول الكحول يمر اليوم بمرحلة تحول، مؤكدة أن الأدلة البحثية "لا تترك مجالًا للشك" في أن حتى الشرب المعتدل، وبالتأكيد الاستهلاك الأعلى، يضر بالصحة في مجالات كثيرة، منها السرطان وأمراض الكبد والقلب.
وبحسب زلبر-شاغي، فإن الارتفاع في الخطر يبدأ فعليًا من استهلاك أي كمية من الكحول، في موقف يعكس انقلابًا على التوصيات القديمة التي كانت تميّز بين الشرب "المعتدل" و"المفرط".

صراع عالمي مع صناعة الكحول

3 عرض المعرض
 تناول الكحول
 تناول الكحول
تناول الكحول
(فلاش 90)
وفي السنوات الأخيرة، يتصاعد الخلاف بين جهات الصحة العامة وصناعة الكحول حول العالم، على خلفية دراسات تربط الكحول حتى بكميات منخفضة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض الكبد والقلب والأوعية الدموية.
وتدفع جهات صحية في دول عدة باتجاه وضع تحذيرات واضحة على زجاجات الكحول، وتقييد الإعلانات، وتشديد التعليمات الموجهة للجمهور، خصوصًا في ظل ما تصفه تقارير طبية بضغوط تمارسها صناعة الكحول على صناع القرار لتأخير إجراءات الصحة العامة.
وفي أوروبا، حذّر تقرير طبي نشر ضمن لجنة خبراء مشتركة بين الجمعية الأوروبية لدراسة الكبد ومجلة "The Lancet" من تزايد العبء الصحي والاقتصادي لأمراض الكبد، مشيرًا إلى أن استهلاك الكحول والسمنة من أبرز العوامل التي تدفع هذا الارتفاع.

الكحول والسرطان: خطر لا يقتصر على نوع معين

ومن بين أكثر الروابط الطبية إثارة للقلق العلاقة بين الكحول والسرطان. فالأدلة الحديثة تشير إلى أن جميع أنواع الكحول، سواء النبيذ أو البيرة أو المشروبات الروحية، قد تزيد خطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.
ويؤثر الكحول في الحمض النووي للخلايا ويشجع عمليات التهابية مزمنة، وهما عاملان أساسيان في تطور السرطان. وتبرز العلاقة بشكل خاص لدى النساء مع سرطان الثدي، ولدى الرجال مع سرطان القولون.
وتكمن خطورة هذا الأثر في أن الضرر لا يظهر دائمًا بشكل فوري، إذ قد تتطور بعض السرطانات على مدى سنوات طويلة. ومع ذلك، فإن التوقف عن الشرب يقلل الخطر المستقبلي ويمنع تراكم أضرار إضافية.

تأثير سريع على المناعة

3 عرض المعرض
 تناول الكحول
 تناول الكحول
تناول الكحول
(فلاش 90)
ولا ينتظر الجسم سنوات حتى يتأثر بالكحول، إذ تشير المعطيات إلى أن جهاز المناعة يبدأ بالتأثر خلال دقائق من الشرب. وحتى مشروب واحد فقط قد يضعف مؤقتًا قدرة خلايا المناعة على التعرف إلى الفيروسات والبكتيريا والخلايا السرطانية ومهاجمتها.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يتحول الشرب إلى عادة ثابتة، إذ قد يؤدي الاستهلاك المتكرر إلى إضعاف خلايا حيوية في جهاز المناعة، وجعل الجسم أكثر عرضة للالتهابات الشديدة. وفي بعض الحالات، يتحسن جزء من الضرر بعد التوقف عن الشرب، لكن ليس دائمًا بصورة كاملة.

الدماغ والقلب تحت التأثير

وتشير دراسات حديثة إلى أن تأثير الكحول على الدماغ أعمق مما كان يُعتقد. فبدلًا من الفكرة الشائعة بأن الكحول "يقتل خلايا الدماغ"، تشير الأبحاث إلى أنه يضر بالروابط بين الخلايا العصبية، وقد يؤدي إلى تراجع في مناطق مرتبطة بالذاكرة والتركيز واتخاذ القرار.
كما أن القلب، الذي ارتبط في السابق بفكرة "الفائدة المحتملة" لكأس نبيذ، لم يعد يُنظر إليه كجهاز محمي من آثار الكحول. فحتى مشروب واحد يوميًا قد يرتبط بارتفاع ضغط الدم، ويزداد الخطر لدى من يعانون من السمنة البطنية أو السكري أو ضغط الدم المرتفع.

خبر جيد: الجسم يستطيع التعافي

رغم الصورة القاتمة، تحمل الأبحاث جانبًا إيجابيًا: الجسم قادر على التعافي جزئيًا بعد التوقف عن الشرب. فالكبد يستطيع ترميم جزء من الضرر، والدماغ قد يستعيد بعض الروابط والوظائف، كما تتقوى المناعة تدريجيًا، ويبدأ خطر الإصابة بأمراض عدة بالانخفاض بعد أسابيع أو أشهر من التوقف.
وتؤكد البروفيسورة زلبر-شاغي أن التوقف عن الشرب "يساعد بالتأكيد وقد ينقذ الحياة"، مع أهمية توفير علاج طبي ودعم نفسي للأشخاص الذين يعانون من الاعتماد على الكحول. لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن بعض الأضرار، خاصة إذا استمر الشرب لسنوات طويلة، قد لا تكون قابلة للعكس بالكامل.