"السوق لم يمت" | آخر إسكافي في الناصرة يعود إلى مهنته بعد سنوات من الغياب

عودة أبو حبيب إلى زقاق الحرفيين تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال أعمق: كيف يمكن حماية الحرف التقليدية وإعادة الحياة اليومية إلى السوق التاريخي؟ 

1 عرض المعرض
سوق الناصرة - صورة عامة
سوق الناصرة - صورة عامة
سوق الناصرة - صورة عامة
(Flash90)
في مشهد أعاد الحركة إلى أحد أزقة البلدة القديمة في الناصرة، عاد آخر إسكافي في سوق المدينة إلى فتح محله في زقاق الحرفيين داخل سوق المبيضين، أمس السبت، في خطوة رأت فيها مبادرات محلية محاولة عملية لإعادة الناس إلى السوق، لا بوصفه مساحة للحنين فقط، بل كمكان حيّ للعمل والذاكرة والتبادل اليومي.

"السوق لم يمت"

وأكدت رزان زعبي زيداني، قيّمة المعرض ومؤسسة "مساحة الدار"، أن الحديث لا يدور عن "إحياء" السوق بمعنى أنه انتهى، بل عن استعادة الحركة الشعبية والتجارية التي تراجعت على مدار سنوات، خاصة منذ مشروع "الناصرة 2000"، الذي ترك أثرًا واضحًا على أصحاب المصالح والحرفيين في البلدة القديمة.
رزان زعبي زيداني: لحظة رمزية ومهمة لأنها تعيد فتح السؤال حول مصير الحرف التقليدية
غرفة الأخبار مع أمير الخطيب
09:24
وقالت زيداني إن المشروع الثقافي بدأ من محاولة البحث عن "أصوات مستعادة" داخل المدينة، أي الأصوات التي همّشت أو غابت عن الذاكرة العامة، ومن بينها أصوات الحرفيين الذين شكلوا جزءًا أساسيًا من هوية السوق. وأضافت أن البحث عن أصحاب الحرف قاد إلى اكتشاف غياب شبه كامل لهذه الأصوات، باستثناء عدد قليل من الحرفيين الذين ما زالوا يحملون معرفة مهنية نادرة.

حرفة مهددة بالاندثار

وتحدثت زيداني عن أبو حبيب، الإسكافي الذي يسكن في السوق، والذي عاد إلى حمل المطرقة والعمل على تصليح الأحذية بعد انقطاع طويل. ووصفت عودته بأنها لحظة رمزية ومهمة، لأنها تعيد فتح السؤال حول مصير الحرف التقليدية، خصوصًا أن كثيرًا من أصحابها رحلوا أو أغلقوا محالهم، ولم تنتقل مهاراتهم إلى الأبناء أو الجيل الجديد.
وأشارت إلى أن المشكلة لا تقتصر على غياب الحرفيين فحسب، بل تشمل أيضًا غياب البيئة الكاملة التي كانت تحيط بالحرفة، من أدوات ومواد ومكملات مهنية مثل الجلد والمسامير والدهان والصمغ، إضافة إلى تراجع رغبة الشباب في تعلم هذه المهن.

من الحنين إلى الممارسة

وشددت زيداني على أن عودة الناس إلى السوق يجب ألا تبقى ضمن إطار الحنين أو الزيارات الرمزية، بل يجب أن تتحول إلى ممارسة يومية: شراء، تصليح، تعلم، وسكن. وقالت إن التعامل مع السوق كـ"منصة تذكارية" لا يكفي، معتبرة أن الحفاظ على الذاكرة لا يتم بالكلام فقط، بل من خلال الاستخدام الفعلي للمكان والحرفة.
وأضافت أن السوق التاريخي بُني أساسًا على علاقة عضوية بين السكن والعمل، حيث كان الحرفي يسكن في المكان نفسه الذي يعمل فيه، وهو ما يمنح السوق حياة طبيعية وأمانًا وخدمات تنمو تدريجيًا مع عودة الناس إليه.

دعوة إلى جيل جديد من الحرفيين

وترى زيداني أن وجود آخر إسكافي يحمل هذه المعرفة يشكل "فرصة ذهبية" أمام الجيل الشاب لتعلم الحرفة ونقلها إلى المستقبل، محذرة من أن غياب المتعلمين يعني فقدان جزء من التراث الثقافي غير المادي للمدينة.
كما شددت على أن استعادة السوق لا تعني فقط إعادة الحرف القديمة، بل يمكن أن تشمل أيضًا حرفًا معاصرة وجديدة، مثل صناعة الفخار أو الزجاج أو غيرها من المهن التي تعيد الأصوات والحركة والتجربة البصرية إلى المكان.

السوق كمسار طويل لا كمبادرة عابرة

وتخلص زيداني إلى أن إعادة الحياة إلى سوق الناصرة القديم تحتاج إلى مسار طويل، تشارك فيه الناس بوصفهم جزءًا أصيلًا من المكان، لا مجرد زوار أو داعمين من الخارج. فالمطلوب، بحسب رؤيتها، هو أن يعود السكان والمهنيون والحرفيون إلى الإيمان بهذا الموروث، والسكن والعمل فيه، ليعود السوق تدريجيًا إلى دوره الطبيعي كمركز للحياة اليومية في قلب المدينة.