مع اقتراب نهاية عام 2025، عاد اسم بابا فانغا إلى التداول الإعلامي بكثافة، متصدّرًا عناوين ربطت بين نبوءات منسوبة إليها وبين تطوّرات سياسية عالمية، أبرزها مزاعم عن سقوط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2026، إلى جانب سيناريوهات تتحدّث عن تصعيد دولي واسع قد يصل إلى حدّ حرب عالمية ثالثة.
هذا الحضور المكثّف لا يُعدّ استثنائيًا، بل يتجدّد مع نهاية كل عام، حيث يُعاد استحضار شخصية بابا فانغا في لحظات تتّسم بارتفاع منسوب القلق العالمي وعدم اليقين السياسي.
من هي بابا فانغا
بابا فانغا (1911-1996)، بلغارية الأصل واسمها الحقيقي فانجيليا بانديڤا غوشتيروفا، اشتهرت خلال القرن العشرين بوصفها "عرّافة"، ونُسبَت إليها قدرات على التنبّؤ بالمستقبل والشفاء. فقدت بصرها في سنّ مبكرة، وذاع صيتُها خلال فترة الحرب الباردة في أجزاء من أوروبا الشرقية، حيث قصدها آلاف الأشخاص في بلغاريا طلبًا للمشورة أو التنبّؤ؛ قبل أن يتّسع حضورها بشكلٍ ملحوظ مع سقوط الشيوعية بين الأعوام 1989-1991 وما تلا ذلك من انفتاح إعلامي وتراجع القيود الأيديولوجية على الخطاب العام.
أمّا اليوم، فيُعزى استمرار حضورها إلى مجموعة من الأحداث التي نُسب إليها لاحقًا على أنها تنبّأت بها، أبرزها كارثة تشيرنوبيل النووية، غرق الغواصة الروسية "كورسك"، هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتّحدة، تسونامي المحيط الهندي عام 2004، وفاة الأميرة ديانا، وانتخاب باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة.
واللافت في سيرتها، غياب أي توثيق مكتوب أو تسجيلات أصليّة لتنبّؤاتها، إذ إنّ ما يُتداول اليوم يعتمد على روايات منسوبة إلى أتباعها، أو إلى ابنة شقيقتها، أو إلى تفسيرات لاحقة لأقوال شفوية. وقد أكّد بعض المقربين منها أنها لم تُدلِ بكثير من التنبّؤات التي نُسبت إليها بعد وفاتها، ما جعل شخصيّتها مادّة دائمة للجدل وسط من يعتبرها مثالًا على التنبّؤات المؤوّلة بأثرٍ رجعيّ.
لماذا التركيز على بوتين في هذه المرحلة؟
تتميّز موجة التغطيات الحالية بتركيزها الواضح على نبوءات منسوبة إلى عام 2026، ولا سيّما تلك التي تتحدّث عن نهاية حكم فلاديمير بوتين أو تراجع نفوذه السياسي. وتربط هذه الروايات بين تغيّر محتمل في القيادة الروسية وبين مسار الحرب في أوكرانيا، وإعادة رسم موازين القوى في أوروبا وآسيا. وتتوسّع بعض هذه التفسيرات لتشمل سيناريوهات أكثر حدّة، من بينها اندلاع حرب عالمية ثالثة، أو مواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتّحدة، إضافة إلى تصعيد صيني محتمل تجاه تايوان.
هذه المزاعم، كما يشير محلّلون وباحثون، لا تستند إلى نصوص موثّقة صادرة عن بابا فانغا نفسها، بل إلى قراءات وتأويلات متداولة عبر الإنترنت، تتغذّى من الواقع السياسي المتوتّر أصلًا.
وفي سياق أوسع – كوارث، اقتصاد، وذكاء اصطناعي
لا تقتصر السرديات المتداولة على الشأن السياسي، بل تشمل أيضًا توقّعات منسوبة إلى عام 2026 تتعلّق بكوارث طبيعية واسعة النطاق، كالزلازل والنشاط البركاني والظواهر المناخية المتطرّفة، إلى جانب تحذيرات من انهيارات اقتصادية واضطرابات في الأسواق العالمية. كما تحضر إشارات إلى الذكاء الاصطناعي ضمن هذه السرديّات، باعتباره عاملًا قد يعيد تشكيل أنماط الحياة والاقتصاد؛ وهو ما يُقدَّم أحيانًا بوصفه "نقطة تحوّل" كبرى في مسار البشرية.
وفي بعض المصادر، تمتدّ الروايات إلى الحديث عن تواصل مع كائنات فضائية أو تحوّلات علمية وطبّية بعيدة المدى، ما يعكس الطابع الفضفاض للنبوءات المنسوبة إلى بابا فانغا وقدرتها على استيعاب قراءات متعدّدة.
بين الظاهرة الإعلامية والوقائع
ويرى مختصّون أنّ عودة بابا فانغا إلى العناوين مع نهاية كلّ عام لا ترتبط بظهور معطيات جديدة، بقدر ما تعكس آلية إعلاميّة متكرّرة قائمة على إعادة تدوير تنبّؤات قديمة وربطها بأحداث راهنة. فغياب المصدر الأصلي الموثّق، واتّساع هامش التأويل، يجعلان من السهل إسقاط أي تطوّر عالمي بارز على أقوال منسوبة إليها.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أنّ التركيز الحالي على "سقوط بوتين"، هو انعكاس لمناخ دوليّ مضطرب وحالة عدم يقين عالميّة، تُترجَم إعلاميًا عبر استحضار شخصية تحمل طابعًا رمزيًا وغامضًا في آنٍ واحد. مع ذلك، تبقى هذه التغطيات قادرة على جذب اهتمام واسع، خصوصًا في الفترات الانتقالية بين الأعوام، حيث يزداد الإقبال على المحتوى الثقافي التفسيري.
في المحصّلة، لا يمكن التعامل مع موجة الأخبار الأخيرة حول بابا فانغا وبوتين على أنها حدث مستقلّ، بل تأتي ضمن سياق أوسع يتكرّر سنويًا، تُستدعى فيه تنبّؤات غير موثّقة لتأطير مخاوف عالمية قائمة. وبينما تتصدّر عناوين "سقوط بوتين" و"حرب عالمية ثالثة" واجهة الاهتمام، يبقى الثابت أنّ بابا فانغا تحوّلت، بعد وفاتها، إلى رمز إعلامي يُعاد توظيفه مع كل نهاية عام، وفق مخاوف المرحلة وهواجسها، أكثر ممّا يُقرأ بوصفه مصدرًا فعليًا وموثوقًا للتنبّؤ بالمستقبل.


