أظهرت دراسة أجرتها الباحثة ياعارا مان ضمن أطروحة الدكتوراه في قسم السياسات العامة في جامعة تل أبيب، وشملت أكثر من 1,000 موظفة وموظف في قطاع الهايتك، أن شركات كثيرة قلّصتْ في السنوات الأخيرة إمكانية العمل من المنزل. وقال 43% من المشاركين إن الشركات التي يعملون فيها قلصت إمكانية العمل من المنزل، مقابل 15% قالوا إن شركاتهم وسعت هذه الإمكانية. كما يعتقد نصف المشاركين أن العمل من المنزل في مجالهم تقلص خلال السنوات الأخيرة أو سيتقلص في الفترة المقبلة، مقابل 22% يرون أنه ازداد، و4% فقط يتوقعون أن يتوسع مستقبلًا.
ويواجه هذا التغيير بصورة خاصة موظفون انتقلوا خلال جائحة كورونا للسكن بعيدًا عن تل أبيب ومراكز العمل بالبلاد، بعدما اعتقدوا أن سياسة العمل من المنزل سيستمر. وتبين الدراسة أن إمكانية العمل من المنزل سهّلت على الموظفين اتخاذ قرار الانتقال إلى مناطق أبعد عن أماكن تركز الوظائف، لكن شركات كثيرة أعادت لاحقًا إلزام موظفيها بالحضور إلى المكاتب عدة أيام أسبوعيًا، فأصبح هؤلاء يقضون ساعات طويلة في التنقل بين منازلهم وأماكن عملهم.
وتظهر الدراسة أن تقليص العمل من المنزل كان أكبر في الشركات الكبيرة والدولية منه في الشركات الصغيرة والناشئة. فقد قال 50% من العاملين في شركات يزيد عدد موظفيها على 1,000 إن شركاتهم قلصت إمكانية العمل من المنزل، مقابل 33% من العاملين في شركات يقل عدد موظفيها عن 250. كما أفاد 48% من موظفي الشركات الدولية بتقليص العمل من المنزل، مقابل 32% من العاملين في الشركات الناشئة.
وتشير الباحثة إلى أن كثيرًا من الموظفين يفضلون الشركات الكبيرة بسبب الاستقرار الوظيفي وفرص التقدم التي يتوقعون الحصول عليها فيها. وعندما طُلب من المشاركين الاختيار بين شركة «كبيرة ومستقرة» وشركة «صغيرة وواعدة»، مع افتراض أن جميع شروط العمل الأخرى متطابقة، اختار 59% الشركة الكبيرة و22% الشركة الصغيرة، بينما قال 20% إنه لا توجد لديهم أفضلية. وكان الاستقرار الوظيفي السبب الرئيسي لاختيار الشركة الكبيرة لدى 55% من المشاركين، وجاءت فرص العمل والتقدم المهني في المرتبة الثانية بنسبة 22%.
وتوضح مان أن كثيرين اعتقدوا في 2020 أن سوق العمل دخل مرحلة جديدة، وأن الموظفين الذين تسمح وظائفهم بالعمل من المنزل لن يعودوا مضطرين إلى الحضور المنتظم إلى المكاتب. وبناءً على ذلك، اتخذ بعضهم قرارات طويلة الأمد، بينها الانتقال للسكن بعيدًا عن مناطق تركز الوظائف. لكن أرباب عمل كثيرين لم يقتنعوا بأن سياسة العمل من المنزل تخدم مصالح شركاتهم، ومع تغير أوضاع سوق العمل بدأوا يتشدّدون في السماح للموظفين بالعمل من المنزل، على عكس ما كان عليه الحال أيام الجائحة.
وتبين الدراسة أن النساء يدفعن ثمن هذا التغيير أكثر من الرجال، لأنهن يولين أهمية أكبر لإمكانية العمل من المنزل، كما أن استعدادهن لتقديم تنازلات مقابل الحفاظ على هذه إمكانية أن يعلموا في بيوتهنّ أكبر. وكانت دراسة سابقة أجرتها مان قد وجدت أن انتقال الأزواج من منطقة تل أبيب بحثًا عن مسكن يستطيعون تحمل تكلفته يضر عادةً بالنساء أكثر من الرجال، سواء من حيث الراتب وشروط العمل أو من حيث فرص التقدم في المسيرة المهنية.
وكان يُفترض أن يخفف العمل من المنزل هذه المشكلة، لأنه يقلل الحاجة إلى السفر يوميًا لمسافات طويلة. لكن الدراسة الجديدة تشير إلى مشكلة أخرى: كلّما أصبحت المرأة مضطرة أكثر للعمل من المنزل، ازدادت احتمالات قبولها بتنازلات مهنية ومالية للحفاظ على هذه الإمكانية. وترى مان أن ذلك قد يؤدي إلى توسيع فجوات الأجور بين النساء والرجال بدل تقليصها.
وأظهرت نتائج الدراسة أن النساء أكثر استعدادًا من الرجال لتقديم تنازلات مقابل إمكانية العمل من المنزل. فاحتمال موافقة النساء على التخلي عن شروط يفضلنها في العمل من أجل الحفاظ على إمكانية العمل من المنزل يزيد 2.3 مرة عن الاحتمال لدى الرجال، كما أن احتمال موافقتهن على خفض رواتبهن مقابل العمل من المنزل يومين أسبوعيًا بدل يوم واحد يزيد 1.3 مرة عن الرجال. وأظهرت النتائج أيضًا أن النساء اللواتي يتوقعن أن تقلص الشركات إمكانية العمل من المنزل أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات من أجل الحفاظ عليها؛ إذ يزيد احتمال قبولهن بهذه التنازلات بـِ2.2 مرة مقارنة بالنساء اللواتي لا يتوقعن تقليص العمل من المنزل. أما لدى الرجال، فلم يؤثر هذا التوقع في استعدادهم لتقديم تنازلات.
وتزداد المشكلة بالنسبة إلى من يسكنون بعيدًا عن تل أبيب بسبب الفوارق الكبيرة في فرص العمل بين مناطق البلاد. فقد أظهر تقرير التوظيف الصادر عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) في يوليو أن الفجوة بين معدلات التوظيف في المناطق ذات فرص العمل الأعلى والأدنى أكبر بكثير من المتوسط في دول المنظمة. وتتركز وظائف الإدارة والتكنولوجيا والخدمات التي تتطلب مهارات متخصصة في تل أبيب ومنطقة المركز، بينما تقل هذه الوظائف في المناطق البعيدة عنهما.
وبحسب الباحثة، عندما تقلص الشركة عدد أيام العمل من المنزل، قد تجد المرأة التي تسكن بعيدًا عن مكان عملها نفسها مضطرة إلى البحث عن وظيفة أخرى، وقد توافق على راتب أقل مقابل العمل بالقرب من منزلها أو الحصول على إمكانية العمل من المنزل.

