أغانٍ بالملايين تصنعها الخوارزميات: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الموسيقيين؟

الموسيقار حبيب شحادة: التكنولوجيا قد تساعدنا وتوفر كلفة الإنتاج، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الذوق والتجربة والتفكير الإبداعي 

1 عرض المعرض
أغانٍ بالملايين تصنعها الخوارزميات: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الموسيقيين؟
أغانٍ بالملايين تصنعها الخوارزميات: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الموسيقيين؟
أغانٍ بالملايين تصنعها الخوارزميات: هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الموسيقيين؟
(ai)
تشهد منصات الموسيقى ومواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة انتشارًا واسعًا لأغانٍ مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بعضها يحصد ملايين الاستماعات والمشاهدات، مع قدرة لافتة على تقليد أصوات فنانين معروفين وإنتاج ألحان وتوزيعات تبدو قريبة من الأعمال الاحترافية.
هذه الظاهرة تفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل الملحنين والموزعين والعازفين وصنّاع الموسيقى التقليديين، في ظل تطور أدوات قادرة على إنتاج صوت، ولحن، وتوزيع، ومكساج، وأحيانًا شخصية غنائية كاملة، من دون وجود مغنٍ أو فرقة موسيقية داخل الاستوديو.
وفي هذا السياق، يرى الموسيقار حبيب شحادة أن الخوف من التكنولوجيا ليس جديدًا على عالم الموسيقى، إذ واجه الموسيقيون في السابق تحولات مشابهة مع دخول الحاسوب والبرامج الموسيقية إلى الاستوديوهات.

“الخوف بدأ قبل سنوات مع دخول الحاسوب”

الموسيقار حبيب شحادة: التكنولوجيا قد تساعدنا وتوفر كلفة الإنتاج، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الذوق والتجربة والتفكير الإبداعي
استوديو المساء مع فراس خطيب
04:58
وقال شحادة إن القلق الحالي من الذكاء الاصطناعي يذكّره بمرحلة سابقة، حين بدأت برامج الحاسوب تتيح إنتاج أصوات بديلة عن العزف الحي. وأضاف: “هذا الجدار واجهناه قبل سنوات، عندما دخل الحاسوب والبرامج الموسيقية إلى عالم الإنتاج، وصارت قادرة على خلق أصوات بديلة عن الصوت البشري أو الآلات الحقيقية. كنا نعزف على لوحة المفاتيح ونسمع صوت كمان أو باس أو إيقاعات، فظن البعض أنه لم يعد هناك حاجة إلى العازف داخل الاستوديو”.
وأوضح أن من رفض التعامل مع هذه التحولات أو لم يعرف كيف يستفيد منها، وجد نفسه خارج المشهد تدريجيًا، مؤكدًا أن المسألة لا تتعلق بمحاربة التكنولوجيا بل بفهمها واستثمارها.
وتابع: “علينا أن نستفيد من تطور التكنولوجيا، لا أن نحرّمها أو نخاف منها. الإيقاع والبرامج دخلت حياتنا نحن كملحنين، والمطلوب أن نستخدمها، لا أن نعتبرها بديلًا عن الملحن الحقيقي”.

الذكاء الاصطناعي يقلّد.. لكنه لا يصنع التجربة

ورغم اعترافه بقدرات الذكاء الاصطناعي التقنية، شدد شحادة على أن هذه الأدوات لا تستطيع أن تستبدل الذوق الفني أو التجربة الإنسانية التي يحملها الملحن أو الموزع أو صانع الموسيقى.
وقال: “الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلد، وأن يقدم لك توزيعًا جيدًا أو أصوات آلات مقنعة، وأن يساعدك في المكساج وبعض الجوانب التقنية، وهذه أمور مهمة ويمكن الاستفادة منها. لكنه لا يغيّر ذوقك الفني، ولا يستبدل تجربتك في العمل الدرامي أو المسرحي أو السينمائي”.
وأضاف أن الخوارزميات قادرة على إعادة إنتاج أنماط موجودة أو مساعدة الفنان في الوصول إلى أفكار معينة، لكنها لا تمتلك الوعي الإبداعي القادر على صناعة المفاجأة الفنية أو بناء لحظة موسيقية نابعة من فهم عميق للشخصية والمشهد والسياق.
وتابع: “هو يعرف كيف يقلد ما هو موجود، ويعرف كيف يساعدك للوصول إلى ما يمكن أن تبحث عنه، لكنه لا يعرف أن يخلق المفاجأة الفنية كما يفعل الإنسان”.

تجربة عملية في السينما: مساعد لا بديل

وكشف شحادة أنه استخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل في أحد الأفلام التي عمل عليها، لكن بوصفه أداة مساعدة لا بديلًا عن الموسيقى الأصلية.
وقال: “في الفيلم الأخير الذي عملت عليه، استخدمنا الذكاء الاصطناعي كمساعد. كانت هناك مشاهد داخل سيارة أجرة في برلين، والشخصية كانت تشغّل موسيقى ألمانية في الخلفية. حقوق استخدام هذه الموسيقى كانت مكلفة جدًا، فصنعنا عبر الذكاء الاصطناعي أغانٍ بديلة بسيطة تُسمع في الخلفية، ونجحنا في توفير مبالغ كبيرة على إنتاج الفيلم”.
لكنه أوضح أن الموسيقى الأساسية للفيلم، أي الموسيقى التي تحمل الشخصية وتعبّر عن المشهد وتبني الحالة الدرامية، لم يتمكن الذكاء الاصطناعي من إنتاجها بالشكل المطلوب.
وأضاف: “الموسيقى الحقيقية للفيلم، التي تحمل الشخصية والتعبير، قمنا بتلحينها والعمل عليها بأنفسنا. عندما جُرّب الذكاء الاصطناعي من دوني في بداية العمل، لم ينجح في خلق لحظة واحدة حقيقية مع الفيلم”.

بين التوفير المالي وفقدان الروح

ويشير شحادة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيدًا في حالات إنتاجية محددة، خصوصًا عندما تكون الحاجة إلى موسيقى خلفية بسيطة أو بدائل منخفضة الكلفة، لكنه يحذر من التعامل معه كحل شامل في الأعمال التي تحتاج إلى روح فنية وقراءة درامية عميقة.
وقال: “إذا أراد مخرج أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج موسيقى تقلد شيئًا موجودًا، فهذا ممكن. وإذا أراد أن يجربه ويعمل معه كأداة، فهذا أيضًا ممكن. لكن الأمور لا تُحل كلها إلكترونيًا أو روبوتيًا. الموسيقى لا تزال بحاجة إلى إنسان يفكر ويشعر ويقرر”.

“لا يمكن للخوارزمية أن تستبدل التفكير”

وفي ختام حديثه، عبّر شحادة عن تفاؤل حذر تجاه دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الموسيقى، معتبرًا أن الخطر لا يكمن في الأداة نفسها، بل في طريقة استخدامها، وفي الاعتقاد بأنها قادرة على إلغاء دور الإنسان كليًا. وقال: “لا يمكن لخوارزمية أن تستبدل التفكير. يمكنها أن تساعد، وأن تقلد، وأن تقترح، لكنها لا تستطيع أن تحل مكان التجربة الإنسانية والذوق الفني”.
وبين من يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا مباشرًا لصنّاع الموسيقى، ومن يتعامل معه كأداة جديدة داخل الاستوديو، تبدو الصناعة الغنائية أمام مرحلة انتقالية كبيرة. فالخوارزميات باتت قادرة على إنتاج أغنية ناجحة تقنيًا، لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تستطيع أن تمنحها روحًا؟
First published: 22:13, 25.06.26