"اعتداء خطير وانتهاك لحرمة الموتى" | طمس قبور بمخلفات بناء في مقبرة القسّام في حيفا

هيئة متولي أوقاف حيفا تتهم جهات تسعى إلى تحويل المقبرة إلى ساحة عقارية وتجارية، وتؤكد أن ما جرى يشكل انتهاكًا صارخًا لحرمة الموتى

1 عرض المعرض
طمس قبور بمخلفات بناء في مقبرة القسّام في حيفا
طمس قبور بمخلفات بناء في مقبرة القسّام في حيفا
طمس قبور بمخلفات بناء في مقبرة القسّام في حيفا
(فيسبوك)
تعرضت مقبرة الشيخ عز الدين القسام في مدينة حيفا لاعتداء وصف بالخطير، تمثل في إقدام شخص على طمر أجزاء من المقبرة بمخلفات بناء، ما أدى إلى طمس عدد من القبور وتشويه معالم جزء واسع من الموقع. وأثار الحادث غضبًا واسعًا في أوساط القائمين على الوقف والأهالي، وسط تحذيرات من أن ما جرى لا يمكن فصله عن محاولات مستمرة تستهدف المقبرة منذ سنوات، سواء عبر المصادرة أو عبر السعي إلى تغيير طابعها التاريخي والديني.
وقال فؤاد أبو قمير، عضو هيئة متولي أوقاف حيفا في حديث لراديو الناس، إن الاعتداء وقع بعد إدخال "مواد بناء مطحونة شبيهة بالمخلوطة" إلى أرض المقبرة، ثم سكبها على مساحة تقدر بنحو خمسة إلى ستة دونمات. وأضاف: "كان في هذه المساحة عدد كبير من القبور البارزة، وقد جرى طمسها بطريقة لا إنسانية"، مشيرًا إلى أن الهيئة تعرف هوية عدد من هذه القبور، وأن أصحابها أو أقاربهم من عائلات معروفة ما زالوا موجودين في البلاد.

طمس للقبور وانتهاك لحرمة الموتى

فؤاد أبو قميرة: العتداء طال مقبرة القسام من خلال طمس للقبور وانتهاك لحرمة الموتى
المنتصف مع فرات نصار
05:37
وأوضح أبو قمير أن ما جرى لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو مجرد تعدٍّ على أرض، بل هو مساس مباشر بحرمة القبور والمقدسات الإسلامية. وقال: "نحن أمام سلوك لا يراعي حرمة القبور ولا حرمة الموتى، بل تحكمه فقط عقلية الربح والتجارة". وأضاف أن القبور التي طالها الطمس تعود لعائلات معروفة من حيفا والمنطقة، وأن الهيئة كانت على تواصل بشأنها مع ذوي وأقارب مدفونين في المقبرة.
ورأى أن استخدام مخلفات البناء بهذا الشكل فوق أرض المقبرة يشكل جريمة أخلاقية وإنسانية، فضلًا عن كونه اعتداءً على وقف إسلامي وموقع تاريخي يحمل ذاكرة جماعية لأهالي حيفا والقرى المحيطة بها.

المقبرة "مستهدفة" منذ سنوات

وأشار أبو قمير إلى أن مقبرة الشيخ عز الدين القسام ليست مستهدفة اليوم فقط، بل تواجه منذ سنوات مسارًا متواصلًا من المصادرة والملاحقة القانونية. وقال: "المقبرة مستهدفة منذ زمن، وقد صودرت منها نحو ثلاثين دونمًا، وحُوّل خمسة عشر دونمًا منها لصالح شركة كيرور حزاكوت". وأضاف أن شخصًا يدعى سامي عشور ادعى أنه اشترى قسيمة أو جزءًا من أرض المقبرة من خلال تلك الشركة، إلا أن الهيئة، بحسب قوله، لم تجد ما يثبت أحقيته في ذلك.
وأوضح أن هيئة متولي الأوقاف تتابع ملف المقبرة قضائيًا منذ عام 2013، وتعمل على حمايتها من أي اعتداء أو محاولة استيلاء، معتبرًا أن ما جرى مؤخرًا جاء في توقيت مريب، بعد هدوء نسبي أعقب الحرب، حيث استغل المعتدي ساعات الليل لإدخال كميات كبيرة من مواد الطمر إلى داخل المقبرة.

اكتشاف الاعتداء صباحًا وطرد المعتدي من المكان

وبحسب أبو قمير، فقد تكشفت تفاصيل الاعتداء في ساعات الصباح، بعدما أبلغ حارس المقبرة عن أعمال الطمر التي نُفذت خلال الليل. وقال: "فوجئنا صباحًا بما جرى بعد أن أبلغنا الحارس، وكان الغضب شديدًا". وأضاف أن الهيئة استعانت بعدد من الناشطين والجهات المتابعة، ومن بينهم ممثلون عن لجنة المتابعة، وتوجهوا إلى المقبرة حيث وجدوا الشخص المذكور وعماله داخلها "يعملون بكل أريحية"، وفق تعبيره.
وتابع: "جرى إخراجه من المقبرة فورًا، لكنه بعد ذلك توجه إلى الشرطة وادعى أن لديه بوليصة طابو ووثائق تثبت ملكيته للمكان". وأشار إلى أن الهيئة، وبعد مراجعة الخرائط والوثائق المتوفرة لديها، لم تجد أي دليل حقيقي يثبت أن لهذا الشخص حقًا في أرض المقبرة، معتبرًا أن ما يطرحه ما يزال في إطار الادعاء الذي يحتاج إلى تمحيص قانوني دقيق.

تحرك لوقف الاعتداء وملاحقة المسؤولين

وأكد أبو قمير أن القائمين على الوقف، إلى جانب جهات أهلية وقانونية، شرعوا بالتحرك أمام المؤسسات الرسمية ولجان التنظيم من أجل وقف هذا الاعتداء ومنع تكراره. وقال: "توجه الإخوة اليوم إلى لجنة التنظيم وإلى الجهات المعنية، من أجل استصدار قرار يمنع استمرار هذا الاعتداء السافر، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة بحق هذا الشخص". وشدد على ضرورة وقف أي أعمال إضافية في المقبرة فورًا، محملًا السلطات الرسمية المسؤولية الأولى عن السماح بتطور الأمور إلى هذا الحد.
وأضاف: "المؤسسات الرسمية في الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية، لأن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن أصلًا مصادرة مقبرة فيها قبور ورفات وعظام؟".

"أثبتنا للمحاكم وجود قبور ورفات"

وفي سياق حديثه عن المعركة القانونية، قال أبو قمير إن الهيئة سبق أن قدمت للمحاكم أدلة واضحة على وجود القبور والرفات في أرض المقبرة. وأوضح أن المحكمة في الكريوت طلبت في إحدى المراحل حفر بعض المناطق، حتى في أماكن لم تكن تظهر فيها علامات واضحة لقبر، فجرى ذلك بالفعل. وقال: "حفرنا في أماكن لا تبدو فيها معالم قبور، فعثرنا على هيكل عظمي كامل، من الجمجمة حتى آخر القدم، وصُوِّر هذا المشهد لإثبات أن هذه المقبرة تضم بالفعل رفاتًا بشرية".
وأضاف أن هذا الاكتشاف لم يترك مجالًا للشك في أن الأرض ليست عقارًا فارغًا يمكن التعامل معه بمنطق التجارة والاستثمار، بل مقبرة حقيقية ما زالت تحتضن رفات من دُفنوا فيها منذ ما قبل عام 1948.

ذاكرة حيفا وبلد الشيخ وحواسة

وأكد أبو قمير أن مقبرة الشيخ عز الدين القسام تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية والدينية لمدينة حيفا ومحيطها، إذ كانت تُستخدم قبل عام 1948 لدفن المسلمين من حيفا وبلد الشيخ وحواسة والمناطق المحيطة. وقال: "هذه ليست أرضًا للتجارة ولا مشروعًا عقاريًا، بل مقبرة حقيقية استُخدمت لدفن أهالي حيفا والمنطقة قبل عام 1948". وأضاف أن عددًا كبيرًا من العائلات دُفن موتاها فيها، إلى جانب شهداء سقطوا خلال الهجمات التي تعرضت لها المنطقة إبان النكبة.
وأشار إلى أن المقبرة تحتفظ، إلى جانب بعدها الديني، ببعد وطني وتاريخي، لأنها تضم رفات من قُتلوا ودفنوا في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ المدينة، ما يجعل أي اعتداء عليها مساسًا بذاكرة جماعية لا تخص عائلة بعينها، بل تخص مجتمعًا كاملًا.