كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية أن لقاحًا يُستخدم منذ أكثر من قرن للوقاية من مرض السل قد يمتلك خصائص تساعد على الحد من التغيرات الدماغية المرتبطة بالخرف ومرض ألزهايمر، في نتائج تجريبية قد تمهد لتطوير وسائل جديدة للوقاية من الأمراض العصبية التنكسية.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة "Science Advances" بتاريخ 21 تشرين الأول الجاري، أظهرت فئران تلقت لقاح "BCG" تراجعًا في تراكم بروتينات غير طبيعية داخل الدماغ، وانخفاضًا في مؤشرات الالتهاب العصبي، إلى جانب تحسن في اختبارات الذاكرة مقارنة بفئران لم تتلق اللقاح.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد على تفسير العلاقة التي رصدتها دراسات بشرية سابقة بين تلقي اللقاح وانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف، إلا أنهم يشددون على أن النتائج الحالية لا تثبت أن اللقاح قادر على منع الإصابة بألزهايمر لدى البشر.
لقاح قديم ونتائج جديدة
يُعد لقاح "BCG"، المعروف باسم لقاح عصيات كالميت وغيران، من أقدم اللقاحات المستخدمة للوقاية من مرض السل، إذ بدأ استخدامه لدى البشر عام 1921.
ويُستخدم اللقاح كذلك ضمن العلاج المناعي لبعض أنواع سرطان المثانة، وقد لاحظ باحثون في دراسات سابقة أن المرضى الذين تلقوه كانوا أقل عرضة لتشخيص الخرف مقارنة بمجموعات أخرى.
وأظهرت دراسات رصدية تناولت مرضى سرطان المثانة ارتباط استخدام اللقاح بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسب تراوحت بين 12% و78% خلال فترات متابعة امتدت من 3 إلى 15 عامًا.
لكن هذه الدراسات لا تستطيع إثبات أن اللقاح هو السبب المباشر وراء انخفاض معدلات الخرف، وهو ما دفع العلماء إلى إجراء تجارب مخبرية لفهم التأثيرات المحتملة للقاح على الدماغ.
انخفاض ترسبات بروتين "تاو" وتحسن الذاكرة
استخدم الباحثون فئرانًا معدلة وراثيًا لتطوير تغيرات عصبية مشابهة لتلك المرتبطة بالخرف، ولا سيما تراكم بروتين "تاو" داخل الخلايا العصبية، وهو أحد المؤشرات المرضية المعروفة لمرض ألزهايمر. وقُسمت الحيوانات إلى مجموعات، تلقت إحداها لقاح "BCG" في عمر 3 أشهر، بينما تلقت أخرى محلولًا ملحيًا للمقارنة.
وبعد فترة متابعة امتدت من 8 إلى 9 أشهر، أجرى الباحثون اختبارات للذاكرة وصورًا للدماغ وتحليلات لمؤشرات الالتهاب والتغيرات الجينية. وأظهرت النتائج أن الفئران التي تلقت اللقاح كانت أكثر احتمالًا بنحو 5 مرات لإظهار مؤشرات انخفاض ترسبات بروتين "تاو"، كما كانت أقل احتمالًا بنحو 4 مرات لإظهار علامات الالتهاب العصبي المستمر.
كذلك سجلت الفئران الملقحة أداء أفضل في اختبارات التعرف إلى الأشياء، مع تراجع مؤشرات ضمور الدماغ وتحسن فرص البقاء مقارنة بالحيوانات غير الملقحة.
كيف يمكن للقاح السل أن يؤثر في الدماغ؟
يرجح الباحثون أن تكون النتائج مرتبطة بظاهرة تعرف باسم "المناعة المدرّبة"، وهي قدرة بعض خلايا المناعة الفطرية على تعديل استجابتها بعد التعرض لمحفز معين.
وبحسب هذا التفسير، قد يساعد لقاح "BCG" خلايا المناعة على التعامل بصورة أفضل مع تراكم البروتينات غير الطبيعية داخل الدماغ، والحد من الالتهاب المزمن الذي يرافق تطور بعض الأمراض العصبية.
وأشار الباحث ويليام بيشاي، أحد المشرفين على الدراسة، إلى أن اللقاح يبدو قادرًا على خفض مستويات الالتهاب المفرط في الدماغ، وهو تأثير قد يرتبط بالتغيرات التي يُحدثها في نشاط الخلايا المناعية.
وكشفت التحليلات أيضًا أن الفئران غير الملقحة أظهرت نشاطًا غير طبيعي في 716 جينًا مرتبطًا بألزهايمر وموت الخلايا والالتهابات العصبية، بينما ساهم اللقاح في إعادة مؤشرات نشاط معظم هذه الجينات إلى مستويات أقرب إلى الطبيعية في النموذج التجريبي.
هل يصبح لقاح السل وسيلة للوقاية من ألزهايمر؟
رغم النتائج المشجعة، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلًا قبل إمكانية استخدام اللقاح للوقاية من الخرف لدى البشر. وأوضحت الباحثة باربرا سلوشر، المشاركة في الدراسة، أن الفريق يحتاج إلى فهم أعمق للآليات البيولوجية التي قد تفسر التأثير الوقائي، وتحديد الفئات التي يمكن أن تستفيد منه، والتوقيت المناسب لإعطائه، ومدى إمكانية تحقيق النتائج نفسها بصورة آمنة لدى البشر.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة لأنها تسلط الضوء على دور الجهاز المناعي في تطور ألزهايمر، وتطرح إمكانية الاستفادة من اللقاحات أو المركبات التي تؤثر في الاستجابة المناعية لتطوير استراتيجيات وقائية جديدة.
ومع ذلك، لا يُنصح باستخدام لقاح "BCG" بهدف الوقاية من الخرف خارج الاستطبابات الطبية المعتمدة، إذ إن الدراسة ما تزال في مرحلتها قبل السريرية، ولم تثبت فعالية اللقاح أو سلامته لهذا الغرض لدى البشر.


