يُنتج التّصعيد المستمر في نضالنا ضد الجريمة جملة من التحوّلات الإيجابيّة، لعلّ أبرزها حالة التّسييس التي باتت ملموسة في المجالس؛ الواقعية منها والافتراضية. من جهة، لم يعد الحديث عن الجريمة محصورًا في توصيف المأساة التي تجمعنا، بل امتدّ إلى مساءلة المؤسّسة الحاكمة، وطرح أسئلة تتعلّق بالتنظيم، والاحتجاج، وأشكال العمل الجماعيّ - وهي جميعها تعبيرات أصيلة عن فعل سياسيّ واعٍ. ومن جهة أخرى، نسمع أصواتًا تنادي بـ"عدم تسييس النضال" او تحييد السياسية عنه، وكأنّ النضال ضد القتل والسلاح وابتزاز "الخاوة" يمكن فصله عن سياقه السياسيّ.
الجريمة ليست قدرًا: سياسة ممنهجة وأداة ضبط
هذا الادعاء لا يصمد أمام أي فحص جدّي؛ فالجريمة المنفلتة ليست قدرًا ولا خللًا عابرًا، بل هي نتاج مباشر لسياسات حكوميّة ممنهجة، تريدنا أن نغرق بدمائنا وترى بانتشار الجريمة أداة للضبط والسّيطرة، كما تفعل السلطات القامعة عمومًا في أقطاب العالم. هذه السّياسات ذاتها التي تقمع شعبنا في الضفة الغربيّة المحتلّة وقطاع غزّة، وتكرّس تعاملًا عنصريًا استعلائيًا مع الفلسطيني في كل مكان، بلغ مستوى الإبادة الجماعيّة في غزّة.
يعرّف ماكس فيبر الدولة بوصفها تنظيمًا سياسيًا–قانونيًا يحتكر استخدام القوّة المشروعة داخل إقليم معيّن، ويمارس السيادة على شعبه. أمّا السياسة، ووفق تعريف لاسويل الكلاسيكي، فهي: من يحصل على ماذا، ومتى، وكيف.
في سياقنا، فإنّ أجهزة الدولة – بوصفها التعبير العملي عن هذه السيادة – هي الجهة الوحيدة المخوّلة باستخدام القوّة ضد عصابات الجريمة، وهي التي تقرّر، بالفعل لا بالتصريح، من يحصل على الأمن الشخصي؛ ذلك الحقّ الأوّلي الذي يُفترض أن يكون مضمونًا بموجب أي عقد اجتماعيّ.
على هذا الأساس، يكون نضالنا ضد الجريمة نضالًا سياسيًا بامتياز، وكلّ محاولة لنزع هذه الصفة عنه لا تخدم سوى حكومة نتنياهو–بن غفير، التي تراهن على تفكيك وعينا الجمعيّ، ودفع غضبنا بعيدًا عن المؤسّسة الحاكمة نحو صراعات داخليّة. ولا سيّما بعد أن بلغنا مرحلة من الوعي الجمعيّ بات فيها واضحًا – لدى الصغار قبل الكبار – أنّ ما يجري ليس فشلًا عارضًا، بل نتاج سياسة وتوجّه فعليّ لنشر السلاح، وإشاعة الفوضى، بل والتواطؤ مع العصابات الإجراميّة.
وهنا لا بدّ لنا من سؤال: هل نجحت السلطة، عبر سنوات من الرقابة والقمع، في خلق هوّة -وربما نفور- بين الناس والعمل السّياسيّ؟ وكيف تحوّلت كلمة "سياسة" لتهمة مشحونة بالوصم السلبيّ، بدل أن تكون أداة للتغيير والتنظيم؟
لا شكّ أنّ النقاش حول أداء الأحزاب السياسيّة، أو مؤسّساتنا الوطنيّة والتمثيليّة، نقاش ضروري ومطلوب، بل شرط لأي عمليّة تصويب وتطوير. غير أنّ هذا النقاش يفقد معناه حين يتحوّل من أداة مساءلة إلى موقف عدميّ ثابت، يرى في كل إطار سياسي مشكلة بحدّ ذاته، وفي كل تنظيم عبئًا يجب التخلّص منه. عند هذه النقطة، لا يعود النقد فعلًا إصلاحيًا، بل يصبح عامل تفكيك إضافيًا، يساهم -عن قصد أو غير قصد- في إضعاف ما تبقّى من أطر تمثيلية جامعة، في لحظة تاريخيّة تتطلّب العكس تمامًا: مزيدًا من التنظيم، لا الانكفاء.
إنّ التنظيمات السياسيّة، بما فيها الأحزاب والأطر التمثيليّة الجامعة، عليها ما عليها، وهي ليست أطرًا معصومة من الخطأ، ولا يجوز التعامل معها بوصفها فوق النقد أو المساءلة. فحتى اليوم، ما زال النقاش حول تحديد السقف السياسي للاحتجاج، وصياغة أهداف عينيّة قابلة للتحقيق، وبناء مقوّمات الاستمراريّة، ناقصًا ومفتوحًا. غير أنّ لهذه التنظيمات أيضًا ما لها، وهو كثير ولا يمكن القفز فوقه أو تجاهله: شرعيّة تمثيليّة، وأدوات تنظيم، وتراكم خبرات، تمكّنها من جمع الناس حول خطاب مشترك، وتحويل الغضب والاحتجاج من حالة مشتّتة إلى قوّة سياسيّة منظّمة وقابلة للتراكم.
من هنا، فإنّ محاولة تجاوز هذه التنظيمات أو استبدالها بمبادرات عفويّة متفرّقة قد تبدو، في ظاهرها، تعبيرًا عن تحرّر من "السياسة التقليديّة"، لكنها عمليًا تُضعف القدرة على الاستمرار والبناء، وتعيد إنتاج التشتّت نفسه الذي تراهن عليه السلطة الحاكمة. فالمبادرات الفرديّة مهمّة وضروريّة في تطوير آليات نضالنا، لكنها لا يمكن أن تُغني عن إطار جامع يستند إلى رؤية واضحة ومبدأ ناظم، يربط بين الفعل اليوميّ والأفق السياسيّ الأشمل.
من دون هذا المبدأ الناظم، تتحوّل الفعاليّات ومهما حسنت نواياها إلى لحظات معزولة، مهما بلغ حجم المشاركة أو شدّة الغضب. أمّا حين يكون واضحًا للناس لماذا يتحرّكون، ومع من، وإلى أين، فإنّ الفعل النضاليّ يتجاوز كونه ردّ فعل آنيًا، ليغدو مسارًا سياسيًا واعيًا، قابلًا للتراكم، وقادرًا على إحداث تأثير حقيقيّ.
وفي خضمّ هذا النقاش، لا يمكن إغفال النقاش حول دور مؤسّسات المجتمع المدني والجمعيّات الأهليّة (ومن يعرفنا، يعرف جيّدًا أنّ لا خصومة بيننا وبين هذا الحيّز؛ على العكس تمامًا، فقد كانت وما تزال سنوات طويلة من حياتنا المهنيّة موزّعة بين النشاط والعمل داخله بتعقيداته واسئلته). لهذه المؤسّسات دور مهم في بناء الوعي، وفي محاولة سدّ فراغات خلّفتها سياسات الإهمال والتهميش. غير أنّ هذا الدور، على أهميّته، يبقى مكمّلًا للتنظيم السياسيّ لا بديلًا عنه، لا سيّما في واقعنا الفلسطينيّ داخل إسرائيل، حيث تتقاطع هذه المساحات إلى حدّ يمكن معه اعتبار التنظيمات السياسيّة جزءًا من نسيج المجتمع المدنيّ نفسه. الرهان، إذًا، ليس على استبدال دور بدور، بل على علاقة تكامليّة واعية، تُحفظ فيها وظيفة كلّ حيّز ضمن رؤية واضحة ومبدأ ناظم، تخدم نضالًا جماعيًا طويل النَّفَس.
وانطلاقًا من هذا الفهم للتنظيم والسقف السياسيّ، يُطرح أيضًا سؤال الشراكات، ولا سيّما الشراكات العربيّة- اليهوديّة. فنضالنا ضد الجريمة هو فعل سياسيّ بتعريفه، وبناء شراكات مع قوى يهوديّة ترى في هذا النضال قضيّة عادلة ومصلحة مشتركة هو جزء لا يتجزّأ من هذا الفعل. غير أنّ هذه الشراكات لا يمكن أن تُدار كشعارات مجرّدة، بل كأدوات نضاليّة تُقاس بقدرتها على إنتاج قوّة سياسيّة فعليّة على أرض الواقع.
سقف النضال: بين تغيير السياسات وتغيير الحكومة
من هنا، تُطرح الشراكة كسؤال سياسيّ مفتوح: عن ماهيّتها، وحدودها، وأثمانها، ومكاسبها — على المديين القريب والبعيد. ولا يمكن الحسم في هذا السؤال من دون تحديد واضح لجمهور هذه الشراكات داخل المجتمع اليهوديّ. ففي المدى القريب، قد تظهر أهمية الاستثمار في توسيع الحالة التضامنيّة المدنيّة لدى القوى الديمقراطيّة التي تعتبر الشراكة قيمةً ومصلحة مشتركة لجميع المواطنين. إلى جانبها، ثمة قوى سياسيّة ترى في تغيير الحكومة الحاليّة مصلحة لها، وإن اختلفت دوافعها. إن الاستثمار في هاتين الدائرتين ليس مسألة تقنيّة فحسب، بل خيار سياسيّ يتطلّب تنظيمًا مدروسًا، تفكيرًا معمقًا، وشجاعة.
كلّ ما سبق يبقى مرتبطًا، في نهاية المطاف، بتحديد سقف نضاليّ وسياسيّ واضح للنضال ضد الجريمة، والالتزام تباعًا بتحويل هذا السقف إلى أهداف عينيّة قابلة للتحقيق.
المساران: الضغط أم التغيير السياسي؟
ما نراه اليوم يمكن حصره في مسارين أساسيّين: إمّا الضغط لتغيير سياسات بن غفير وأجهزة الأمن، وإما تغيير رأس الهرم السياسيّ — أي الحكومة. إسرائيل وسياساتها، ما بعد السابع من تشرين الأوّل/ اكتوبر تغيّرت جذريًا، وبات من الصعب التعويل على تغييرات في سياساتها لصالح الفلسطينيّين خاصة الان ونحن على أعتاب انتخابات برلمانيّة تقع مكانة الجماهير العربية ومواطنتها وشراكتها في صلبها. فالحراك سيقابل بالتحريض المستمر على العرب، وستصعب كذلك المهمة في تجنيد القوى الديمقراطية بسبب هشاشة عمودها الفقري الفكري ولأسباب أخرى كثيرة. مع هذا علينا مراكمة التشبيك مع هذه القوى وتحويل هذه الشراكة في النضال على قصوره لرافعة لنضالات على المدى البعيد.
الانتخابات: امتحان الأحزاب والحراك
أمّا فيما يخص المسار الثاني الموازي لهذا المسار؛ تغير الحكومة بالانتخابات، فان المهمة الكبرى تقع على كاهل الأحزاب السياسية التي تشارك في الانتخابات للكنيست، بكيفية ذهابها الى الانتخابات وبمدى توافق مشاريعها السياسية مع بعضها البعض، ومدى تنسيق الأدوار ما بينها وإدارة خلافاتها. فان أحسنوا في ذلك، حسن الحراك واقتربنا من تحقيق أهدافه وإن فسدوا فسدنا وضاعت شرارة الحراك مرة أخرى.
