"الموضة السريعة" تستنزف البيئة والجيوب| عرموش: نشتري أكثر مما نحتاج ونرتدي جزءًا صغيرًا مما نملك

الناشطة في مجال الاستدامة سامية عرموش لـ"راديو الناس": إنتاج قميص قطني واحد يحتاج إلى نحو ألفين وسبعمئة لتر من المياه، والتسوق الإلكتروني يفاقم الاستهلاك.. وتدعو إلى إعادة الاستخدام وإحياء ثقافة إصلاح الملابس ودعم متاجر الملابس المستعملة 

1 عرض المعرض
سامية عرموش
سامية عرموش
سامية عرموش
(وفقا للمادة 27أ)
حذرت الناشطة في مجال الاستدامة سامية عرموش من التداعيات البيئية والاقتصادية الناجمة عن الاستهلاك المتزايد للملابس وانتشار ما يعرف بـ"الموضة السريعة"، مشيرة إلى أن صناعة الملابس تستنزف كميات كبيرة من المياه والموارد الطبيعية، فيما أسهم التسوق الإلكتروني والتغير المتسارع في صيحات الموضة في زيادة شراء الملابس والتخلص منها بوتيرة متسارعة.
وقالت عرموش، في مقابلة مع "راديو الناس"، إن المسؤولية لا تتعلق بالمستهلك وحده، بل بمنظومة إنتاج عالمية تشجع على الشراء المستمر، لكنها شددت في الوقت ذاته على أهمية رفع الوعي بالاستهلاك المسؤول، وإعادة استخدام الملابس وإصلاحها، والتفكير في الحاجة الفعلية إلى القطعة قبل شرائها.

"2700 لتر من المياه لإنتاج قميص قطني"

سامية عرموش: 2700 لتر من المياه لإنتاج قميص قطني
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:48
وقالت عرموش إن صناعة الملابس تعد من الصناعات ذات التأثير البيئي الكبير، نتيجة استهلاك الموارد الطبيعية والمياه واستخدام المواد والأصباغ خلال مراحل الإنتاج المختلفة.
وأضافت: "لإنتاج قميص قطني واحد نحتاج إلى نحو ألفين وسبعمئة لتر من المياه على امتداد خط الإنتاج، بدءًا من زراعة القطن وريّه وصولًا إلى المصانع وإنتاج الأنسجة. وهذه الكمية من المياه الصالحة للشرب تكفي احتياجات شخص من مياه الشرب لنحو عامين ونصف العام".
وأشارت كذلك إلى تأثير الأصباغ المستخدمة في صناعة الأنسجة على المجاري المائية، فضلًا عن استخدام مواد مشتقة من الوقود الأحفوري والبلاستيك في إنتاج بعض أنواع الملابس.
ولا يتوقف الأثر البيئي، بحسب عرموش، عند التصنيع، إذ يمتد إلى عمليات النقل والشحن المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، ولا سيما مع ازدياد الطلب على الملابس من المتاجر الإلكترونية العالمية.

من أربعة مواسم إلى عشرات المواسم سنويًا

وتطرقت عرموش إلى التحول الذي أحدثته "الموضة السريعة"، موضحة أن المستهلك لم يعد أمام أربعة مواسم تقليدية للملابس خلال العام، بل أصبح يتعرض بصورة متواصلة لصيحات ومنتجات جديدة تدفعه إلى الشراء بوتيرة أكبر.
وقالت: "في الماضي كانت الموضة تتغير وفق أربعة فصول خلال السنة، أما اليوم فنتحدث عن ستة وخمسين موسمًا، ما يعني تدفقًا متواصلًا للمنتجات والصيحات الجديدة".
واستشهدت عرموش خلال المقابلة بمعطيات قالت إنها صادرة عن دراسة أجرتها "يسراكارت"، وتفيد بأن واحدًا وسبعين بالمئة من الشباب العرب حتى سن الخامسة والثلاثين يشترون عبر الإنترنت، وأن الملابس تتصدر مشترياتهم.
ولفتت إلى أن جزءًا من الملابس التي يتم شراؤها إلكترونيًا يصل لاحقًا إلى متاجر الملابس المستعملة، وأحيانًا وهي لا تزال تحمل بطاقة الشراء ولم تُستخدم أصلًا.

استهلاك الملابس يحتل مكانة بارزة لدى الأسرة العربية

وبحسب عرموش، فإن معطيات أخرى تشير إلى أن الإنفاق على الملابس يحتل موقعًا متقدمًا ضمن أولويات الاستهلاك في المجتمع العربي، حتى في ظل الفجوات الاقتصادية ومستويات الدخل. وربطت ذلك بعوامل اجتماعية وثقافية، من بينها الاهتمام بالمظهر والرغبة في مواكبة الصيحات، إضافة إلى التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، قالت إن الثقافة الاجتماعية والدينية التقليدية تحمل ممارسات يمكن ربطها اليوم بمفهوم الاستدامة، حتى وإن لم تكن تستخدم المصطلح نفسه. وأضافت: "جداتنا لم يكنّ يتخلصن من الأشياء بسهولة، بل كن يستفدن من كل شيء ويقدّرن قيمة ما يملكن، ربما بسبب محدودية الموارد أيضًا. لكن هذه الممارسات تتقاطع اليوم بصورة واضحة مع فكرة الحفاظ على البيئة وعدم إهدار الموارد".

"كلما ارتفع الوعي قلّ الشراء"

وحول تحميل المستهلك مسؤولية الأزمة في ظل وجود صناعة عالمية تقوم أرباحها على زيادة المبيعات، قالت عرموش إن المسؤولية أوسع من الفرد، لكنها أكدت أن تغيير السلوك الاستهلاكي يظل جزءًا من الحل. وقالت: "أعتقد أنه كلما ارتفع مستوى وعينا، انخفض حجم شرائنا. عندما يعرف المستهلك ما يقف خلف صناعة القطعة التي يشتريها، يبدأ بالتفكير بصورة مختلفة".
وتطرقت في هذا السياق إلى ظروف العاملين في مصانع الملابس في دول مختلفة، مشيرة إلى أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في هذه الصناعة، وأن بعضهن يعملن، بحسب حديثها، في ظروف صعبة وبأجور منخفضة ولساعات طويلة.

الملابس المستعملة حاجز اجتماعي لا يزال قائمًا

وتوقفت عرموش عند البدائل التي بدأت تنتشر عالميًا وعربيًا، وفي مقدمتها شراء الملابس المستعملة، معتبرة أن المجتمع العربي في البلاد لا يزال أكثر تحفظًا تجاه هذه الثقافة مقارنة بمجتمعات أخرى. وقالت: "لا يزال هناك حاجز كبير تجاه الملابس المستعملة، لأنها ترتبط في أذهان كثيرين بالفقر، بينما نرى لدى الأجيال الشابة في دول عربية مثل لبنان ومصر والأردن والإمارات توجهًا أكبر إلى شراء الملابس المستعملة وإعادة تنسيقها".
وأضافت أن هذا الخيار يجمع بين الفائدة الاقتصادية والبيئية، إذ يمكن الحصول على ملابس بأسعار منخفضة وفي الوقت نفسه تقليل الحاجة إلى إنتاج قطع جديدة. وأشارت إلى أن النظرة السلبية للملابس المستعملة لدى بعض الفئات ترتبط أيضًا بذاكرة اجتماعية وتاريخية، من بينها ارتباط الملابس المتبرع بها بالمساعدات التي كانت تقدم للاجئين والمخيمات، وهو ما ساهم، بحسبها، في ترسيخ صورة تربط استخدامها بالحاجة والفقر.

إصلاح قطعة قديمة بدل شراء أخرى جديدة

وقالت عرموش إن نشاطها التوعوي في المدارس والمراكز والنوادي النسائية أظهر إمكانية إحداث تغيير تدريجي في السلوك، مستشهدة بتجارب نساء أعدن استخدام قطع موجودة لديهن بدل التخلص منها. وأضافت: "تقول لي نساء بعد المحاضرات إنهن ذهبن إلى الخياطة لتعديل سترة قديمة، أو أضفن تفاصيل جديدة إلى قطعة موجودة، وأخريات يقلن إنهن أصبحن يسألن أنفسهن قبل الشراء: هل أحتاج فعلًا إلى هذه القطعة؟".
واعتبرت أن هذه التغييرات قد تبدو صغيرة، لكنها قادرة على الانتقال تدريجيًا إلى دوائر اجتماعية أوسع.

دعوة للإعلام والمدارس لتعزيز ثقافة الاستدامة

ودعت عرموش الإعلام العربي والمؤسسات التعليمية إلى منح قضايا الاستدامة والاستهلاك المسؤول مساحة أكبر، وعدم التعامل مع حماية البيئة باعتبارها قضية بعيدة عن الحياة اليومية. وقالت: "إذا شعر الإنسان أن البيئة قضية بعيدة عنه، فليفكر في جيبه. الاستهلاك المفرط لا يهدر موارد الأرض فقط، وإنما يضر أيضًا بميزانية الأسرة، ويتعارض مع قيم اجتماعية ودينية تربينا عليها في ما يتعلق بعدم الإسراف والحفاظ على الموارد".
وأشارت إلى أن جزءًا كبيرًا من الملابس الموجودة في خزائن المنازل لا يستخدم بصورة منتظمة، قائلة: "الدراسات تشير إلى أن خزائننا مكدسة، وفي النهاية نرتدي نحو عشرين بالمئة فقط مما نملكه. لذلك علينا أن نسأل أنفسنا قبل شراء قطعة جديدة: هل نحتاج إليها فعلًا؟".
واختتمت عرموش حديثها بمعطى قالت إنه يعكس حجم الإنتاج العالمي المفرط للملابس، قائلة: "لو توقفت شركات الملابس اليوم عن إنتاج أي قطعة جديدة، فإن كمية الملابس الموجودة على الكوكب حاليًا يمكن أن تكفينا، وفق المعطيات، لخمسين عامًا مقبلة".
وشددت على أن تغيير أنماط الاستهلاك لن يحدث بصورة فورية، لكنها ترى أن نشر الوعي وتشجيع الإصلاح وإعادة الاستخدام وشراء الملابس المستعملة يمكن أن يشكل خطوات عملية للحد من الهدر، تجمع في الوقت ذاته بين الحفاظ على البيئة وتخفيف العبء الاقتصادي على المستهلك.