"الإفلات من العقاب سياسة ممنهجة" | 60 عربيًا قُتلوا برصاص الشرطة منذ أكتوبر 2000

مدير مركز مساواة يحذّر: التحقيقات تُفرّغ عمدًا من مضمونها، ودعم الوزراء للشرطة ينسف أي مسار قانوني خاصة مع تحقيقات شكلية وإغلاق ممنهج للملفات

1 عرض المعرض
محمد حسين الترابين
محمد حسين الترابين
محمد حسين الترابين
(وفق البند 27 أ)
كشف مدير مركز مساواة الحقوقي، جعفر فرح، أن نحو ستين مواطنًا عربيًا قُتلوا برصاص الشرطة الإسرائيلية منذ أحداث أكتوبر 2000 وحتى اليوم، مؤكدًا أن غالبية هذه الملفات أُغلقت دون تقديم لوائح اتهام، باستثناء حالات نادرة جدًا.
يأتي ذلك فيما قتل الشاب الثلاثيني محمد الترابين برصاص الشرطة خلال مداخلة أمنية، فيما أصدر وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير بيانا لدعم الشرطي مُطلق النار.
جعفر فرح: نحو 60 عربيًا قُتلوا برصاص الشرطة منذ أكتوبر 2000
استوديو المساء مع شيرين يونس
11:18
وفي المقابل، فرضت وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) على الشرطي الحبس المنزلي لسبعة أيام ومنعه من أداء عمله في الشرطة الى حين استكمال التحقيقات.
وفي مقابلة مطوّلة مع راديو الناس، قال فرح إن “الإفلات من العقاب لم يعد استثناءً، بل أصبح سياسة ممنهجة”، مشيرًا إلى أن وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) تفشل مرارًا في إجراء تحقيقات مهنية وسليمة.

تحقيقات شكلية وإغلاق ممنهج للملفات

وأوضح فرح أن السيناريو يتكرر في معظم القضايا، إذ “تدخل ماحش لجمع بعض الإفادات، ثم تماطل لأشهر أو سنوات، قبل أن تُبلغ العائلة والمحامين بقرار إغلاق الملف”. وأضاف: “في كثير من الحالات، يتبيّن أن التحقيق لم يُجرَ بصورة صحيحة منذ البداية، ما يؤدي إلى إتلاف الملف جنائيًا، ويجعل من المستحيل لاحقًا تقديم لائحة اتهام”.
وأشار إلى إخفاقات خطيرة، من بينها عدم جمع الرصاصات من موقع الجريمة، وعدم الربط الجنائي بين الرصاصة التي أودت بحياة القتيل والسلاح الذي أطلقها، قائلًا: “عندما لا تُجمع الأدلة الأساسية، يُدمَّر الملف الجنائي بالكامل”.

التشريح… دون مشاركة العائلات

وتطرّق فرح إلى إجراءات تشريح الجثامين، موضحًا أنها تُجرى غالبًا من دون إشراك العائلات أو أطبائها، رغم أن القانون يُلزم الشرطة ومعهد الطب الشرعي بذلك. وقال: “التشريح إجراء حاسم في أي ملف ضد الشرطة. في السنوات الأخيرة نُصرّ على إشراك طبيب من قبل العائلة، لكن هذا لا يحدث دائمًا، أحيانًا لأن العائلات لا تعرف حقوقها”.
ورغم الانتقادات الحادة لماحش، شدّد فرح على ضرورة الاستمرار في تقديم الشكاوى والمتابعة القانونية، موضحًا أن القضية لا تتعلق فقط بالمساءلة الجنائية. وأضاف: “نحن نتحدث عن آباء قُتلوا وتركوا وراءهم أطفالًا. من سيتكفل بتربيتهم؟ من سيؤمّن لهم مصدر رزق؟ المسؤولية لا تنتهي عند إطلاق النار”. وتابع: “عندما يُقتل أب لسبعة أطفال، فالقضية تصبح أيضًا قضية إعالة، وتعليم، ومستقبل عائلة كاملة”.

من لا يُحاسَب اليوم سيقتل غدًا

وحذّر فرح من عواقب عدم الملاحقة القانونية، قائلًا: “الشرطي الذي لا يُحاسَب اليوم سيواصل عمله غدًا، ومن قتل شخصًا واحدًا قد يقتل ثلاثة لاحقًا”. واستشهد بتجربته الشخصية بعد تعرضه لاعتداء عام 2018، موضحًا أن الشرطي المتورط كان معروفًا بسلوك عنيف سابق، وأضاف: “لو لم نتابع الملف، لكان واصل الاعتداء وربما قتل شخصًا آخر”.

ثقافة بدأت في أكتوبر 2000 وما زالت مستمرة

واعتبر فرح أن ما حدث في أكتوبر 2000 شكّل نقطة تحوّل خطيرة، رغم لجنة التحقيق الرسمية آنذاك، مشيرًا إلى أن الملفات أُعيدت إلى ماحش وأُغلقت لاحقًا تحت ضغط سياسي وأمني. وقال: “منذ أكتوبر 2000 وحتى اليوم، نشهد ثقافة منظمة لإغلاق الملفات، وهذه السياسة أثمرت عن ستين قتيلًا برصاص الشرطة”.
وانتقد فرح تصريحات الوزراء الداعمة للشرطة، مؤكدًا أنها تؤثر بشكل مباشر على مسار التحقيقات، خلافًا لما يُروّج رسميًا. وأوضح: “عندما يتم التشهير بالمحققين وممارسة الترهيب السياسي عليهم، فلن يستطيعوا أداء عملهم باستقلالية. نحن نتحدث عن بشر يعملون تحت ضغط هائل”. وأضاف أن ماحش تتعرض لهجوم سياسي وإعلامي ممنهج، وأن أي محقق يفتح ملفًا حساسًا يصبح هدفًا.

تحذير من محاولات إعادة ماحش للشرطة

وفي ختام حديثه، حذّر فرح من محاولات تشريعية لإلغاء استقلالية ماحش أو إعادتها إلى جهاز الشرطة، قائلًا: “تم إخراج ماحش من الشرطة تاريخيًا بسبب فشلها عندما كانت جزءًا منها. إعادة الوضع إلى ما كان عليه تعني عمليًا دفن أي أمل بالمحاسبة”. وختم بالقول: “المطلوب اليوم هو ضغط شعبي وقانوني متواصل، لأن الصمت هو ما سمح باستمرار هذه السياسة حتى الآن”.