في خضم الحرب الجارية مع إيران، التي دخلت أسبوعها الخامس، تتكشف صورة اقتصادية معاكسة للتوقعات التي سادت في بدايتها. فبدل أن تؤدي الضغوط العسكرية والعقوبات إلى خنق الاقتصاد الإيراني كما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تأملان، نجحت طهران في الحفاظ على تدفق صادراتها النفطية، بل وزيادة عائداتها، في وقت تراجعت فيه صادرات دول الخليج نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء كبير من الإمدادات العالمية.
إغلاق المضيق أدى إلى تعطّل حوالي 15% من النفط العالمي، ما أجبر دول الخليج على خفض الإنتاج وتكبّد خسائر في الإيرادات. في المقابل، استمرت ناقلات النفط الإيرانية في العبور، وترافقت مع تخفيف القيود الأمريكية على تصدير النفط الإيراني لتلبية احتياجات الأسواق العالمية، ما سمح لإيران بالحفاظ على صادراتها ضمن نطاق يتراوح بين 2.4 مليون و2.8 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، منها 1.5 مليون إلى 1.8 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، وهي مستويات تتجاوز متوسط العام الماضي، وتُباع الآن بأسعار أعلى بكثير.
الأسعار شكّلت العامل الحاسم في هذه المعادلة. فقد ارتفع سعر برميل النفط الإيراني من أقل من 50 دولارًا قبل الحرب إلى أكثر من 100 دولار، بالتوازي مع ارتفاع خام برنت إلى ما فوق 100 دولار. كما تقلّص الفارق السعري بين النفط الإيراني وبرنت إلى 2.10 دولار للبرميل، بعد أن كان يتجاوز 10 دولارات. نتيجة لذلك، ارتفعت الإيرادات اليومية من 115 مليون دولار إلى 139 مليون دولار، أي زيادة قدرها 24 مليون دولار يوميًا. ومع استمرار هذا الفارق على مدار خمسة أسابيع، بلغت الأرباح الإضافية نحو 840 مليون دولار.
تعتمد إيران في ذلك على منظومة معقدة لإدارة قطاع النفط، تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية تشمل شبكات البيع، والنقل البحري، ونظام مالي غير رسمي. يتحكم في عمليات التسويق 20 شخصية نافذة تستخدم شبكاتها للحصول على سيولة من بيع النفط، وتسيطر جهات مرتبطة بالحرس الثوري على جزء كبير من هذه العمليات، منها فيلق قدس الذي يسيطير على 25% من النفط الخام لوحده. كما تشير التقديرات إلى أن الحرس الثوري هو المستفيد الأكبر من النمو الأخير في الصادرات النفطية، وأن جزءًا كبيرًا من الأموال الناتجة عنها يصل إليه مباشرة.
في الجانب اللوجستي، تلعب جزيرة خارج دورًا محوريًا، إذ تمثل مركز تصدير رئيسي يمر عبره 90% من النفط الإيراني. خلال العام الماضي، جرى تحميل 344 ناقلة من الجزيرة بإجمالي 572 مليون برميل، بمعدل 1.56 مليون برميل يوميًا، وتشكل هذه الكميات نحو 95% من صادرات إيران النفطية. وتدعم الجزيرة بنية تحتية تضم 55 خزانًا نفطيًا متصلًا بخطوط الأنابيب، ما يجعلها عقدة أساسية في منظومة التصدير.
رغم التهديدات باستهداف الجزيرة، طورت إيران بدائل تشمل موانئ إضافية مثل كوه مبارك المرتبط بخط أنابيب بطول 1000 كيلومتر، إضافة إلى مرافق في جزر لاوان وسيري وقشم. وتشير التقديرات إلى أن هذه البدائل يمكنها التعامل مع 25% من الكميات التي تصدّرها خارج في حال تعطّلها.
في النقل البحري، تدير شبكات مرتبطة بالحرس الثوري عمليات الشحن، مع اتخاذ إجراءات لحماية الناقلات التي تصل قيمة حمولتها إلى ما بين 150 مليون و200 مليون دولار، أي ما يفوق قيمة السفن نفسها بخمسة إلى عشرة أضعاف. كما تُستخدم تقنيات متعددة لتفادي الرقابة، تشمل تغيير بيانات السفن، وتزوير الوثائق، ونقل الشحنات في عرض البحر، خصوصًا قبالة ماليزيا وسنغافورة.
الصين تمثل الوجهة الأساسية لهذه الصادرات، حيث تستوعب أكثر من 90% من النفط الإيراني، عبر نحو 100 مصفاة صغيرة في إقليم شاندونغ. كما تقوم شركات إيرانية باستئجار مرافق تخزين داخل الصين، ما يعزز استمرارية التدفقات النفطية.
في الجانب المالي، تُدار الإيرادات عبر شبكة حسابات معقدة في بنوك صغيرة، خصوصًا في الصين، باستخدام شركات وهمية تعمل في الواجهة وحسابات بنكية وسيطة متعددة. وتشير التقديرات إلى أن هذه الشبكات كانت تدير قبل الحرب أصولًا تتراوح بين 6 مليارات و7 مليارات دولار، مع نقل جزء كبير من هذه الأموال مؤخرًا إلى حسابات في شرق آسيا وأوروبا، ما يزيد من صعوبة تتبع الأموال.
إلى جانب النفط، برز مضيق هرمز كمصدر دخل إضافي، حيث فرضت طهران رسومًا على السفن، إذ تدفع بعض الناقلات 2 مليون دولار لكل عملية عبور. وتشير التقديرات إلى أن هذه الرسوم حققت إيرادات إضافية تراوحت بين 100 مليون و300 مليون دولار خلال خمسة أسابيع.
بجمع هذه المعطيات، يتضح أن إيران حققت أرباحًا إضافية تتراوح بين مليار و1.1 مليار دولار خلال الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب، تشمل 840 مليون دولار من النفط و100 إلى 300 مليون دولار من رسوم العبور. وتشير التوقعات إلى أن هذه الأرباح قد تصل إلى ما بين 5 مليارات و6 مليارات دولار خلال ستة أشهر، وقد تتجاوز 10 مليارات دولار سنويًا في حال استمرار الظروف الحالية.

