في الذكرى الـ35 لرحيل محمد عبد الوهاب: الموسيقار الذي أعاد تشكيل الصوت العربي

تحل ذكرى رحيل محمد عبد الوهاب، أحد أبرز رموز الموسيقى العربية في القرن العشرين، والذي توفّي عام 1991 بعد مسيرة امتدّت لأكثر من ستة عقود

3 عرض المعرض
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
(وفق البند 27أ)
تمرّ في الرابع من مايو ذكرى رحيل محمد عبد الوهاب، أحد أبرز رموز الموسيقى العربية في القرن العشرين، والذي توفّي عام 1991 بعد مسيرة امتدّت لأكثر من ستة عقود، جمع خلالها بين الغناء والتلحين والتمثيل، وترك أثرًا واضحًا في تطوّر الأغنية العربية وشكلها.
وُلد عبد الوهاب في حي باب الشعرية في القاهرة، وسط تباين في الروايات حول تاريخ ميلاده. نشأ في بيئة دينية، إذ كان والده مؤذنًا وخطيبًا في مسجد الشعراني، فألحقه بالكُتّاب في صغره؛ غير انّ ميله إلى الموسيقى دفعه إلى التسلّل لحضور مجالس الإنشاد، كما التحق بفرق فنية بأسماء مستعارة، وعمل لفترة في السيرك مغنّيًا بين الفقرات.
بدأ مشواره الفني فعليًا عام 1917، حين انضمّ كمطرب إلى فرقة فوزي الجزايرلي، وهي إحدى الفرق المسرحية الغنائية التي كانت تقدّم عروضًا تجمع بين التمثيل والأغنية، وشكّلت في تلك المرحلة مدخلًا أساسيًا للفنّانين الشباب إلى عالم الفن. وبالتوازي، تعلّم على يد عدد من شيوخ الإنشاد، وتنقّل بين الفرق المسرحية واحتكّ بتجارب فنية مختلفة، أبرزها تجربة سيّد درويش، التي عُرفت بمحاولاتها في تطوير الأغنية العربية.
وشكّل ارتباطه بالشاعر أحمد شوقي نقطة تحوّل في مسيرته، إذ تبنّاه فنيًا وكتب له قصائد غنّاها بصوته. ومع مطلع الثلاثينيات، دخل عبد الوهاب عالم السينما، وشارك في عدد من الأفلام الغنائية التي جمعت بين التمثيل والغناء، من بينها "الوردة البيضاء" و"دموع الحب" و"يوم سعيد"، وهي أعمال قدّم فيها نفسه كمطرب وممثل في آن، ضمن مرحلة كانت فيها السينما الغنائية من أبرز وسائل الانتشار الفنّي.
وفي الفترة نفسها، بدأ حضوره عبر الإذاعة، التي شكّلت وسيلة رئيسية لوصول الأغنية إلى الجمهور، بالتوازي مع اتجاهه المتزايد نحو التلحين، الذي أخذ يحتلّ مساحة أكبر في مسيرته.

مشروع موسيقي قائم على التطوير

3 عرض المعرض
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
(وفق البند 27أ)
لم يقتصر حضور محمد عبد الوهاب على التلحين، بل ارتبط اسمه بمحاولات تطوير شكل الأغنية العربية من حيث البناء والأداء؛ فكان من أوائل من وسّعوا دَور الفرقة الموسيقية المصاحبة للغناء، وحوّلها من فرق صغيرة تقليدية ترافق الغناء إلى فرق أكبر تضمّ عددًا أوسع من العازفين والآلات، وهو ما أتاح تنوّعًا أكبر في الصوت داخل العمل الغنائي.
كما قدّم عددًا كبيرًا من المقطوعات الموسيقية الآلية إلى جانب الأغاني، وهو ما لم يكن شائعًا بهذا الحجم في الإنتاج المحلّي آنذاك؛ إلى جانب تطويره شكل المقدّمات الموسيقية للأغاني، بحيث أصبحت أطول وأكثر حضورًا ضمن العمل.
وفي هذا السياق، تكشف كتابات لعبد الوهاب، ومنها تقديمه لكتاب "كيف تتذوّق الموسيقى" عام 1957، عن نظرته إلى التأثّر بالموسيقى، إذ أشار إلى أنّ ما يسمعه الإنسان يصبح جزءًا من تكوينه الفنّي، في إشارة إلى انفتاحه على أنماط موسيقية مختلفة، من بينها الموسيقى الغربية التي تعرّف إليها من خلال الحفلات والتسجيلات، بالتوازي مع دراسته للموسيقى العربية.

تعاونات مع كبار الأصوات العربية

3 عرض المعرض
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
محمد عبد الوهاب
(وفق البند 27أ)
تضمّنت مسيرة عبد الوهاب تعاونات مع أبرز نجوم الغناء العربي، كان أهمّها تعاونه مع أم كلثوم، الذي بدأ بأغنية "إنت عمري" عام 1964 في ما عُرف بـ "لقاء القمة"، وهو أوّل تعاون فنّي بينهما، استمرّ لاحقًا عبر أعمال أخرى، منها "أمل حياتي" و"فكروني" و"ودارت الأيام" وغيرها.
كما لحّن للعندليب عددًا من أشهر أغانيه، من بينها "أهواك" و"فوق الشوك" و"نبتدي منين الحكاية"، ولفيروز أعمالًا منها "سكن الليل" و"مُرّ بي" و"يا جارة الوادي". كما قدّم لنجاة الصغيرة مجموعة من الأغاني، من بينها "لا تكذبي" و"ماذا أقول له" و"أيظنّ"، ولوردة الجزائرية أغنيات مثل "في يوم وليلة" و"أنده عليك" و"لولا الملامة".
ولم يقتصر حضوره على الأغنية العاطفية، بل ارتبط أيضًا بالأغنية الوطنية، حيث شارك في توزيع النشيد الوطني المصري "بلادي بلادي"، وهو اللحن الذي وضعه سيد درويش، إلى جانب تقديمه أعمالًا وطنية أخرى ارتبطت بمراحل سياسية مختلفة.

تفاصيل إنسانية ومفارقات لافتة

ورغم مكانته كأحد أبرز رموز الموسيقى العربية، تكشف بعض الشهادات عن جانب إنساني مختلف في شخصيته؛ ففي حوار جمعه بعبد الحليم حافظ، أقرّ عبد الوهاب بأنه لا يستطيع الاستماع إلى صوته، لأنه ينظر إليه دائمًا بعين الناقد.
كما عُرف بتحفّظه في ما يتعلق بكواليس العمل الفنّي؛ وقد برز ذلك في سياق تسجيل أغنية "من غير ليه"، التي كتب كلماتها مرسي جميل عزيز، وكان من المقرّر أن يؤدّيها عبد الحليم حافظ قبل وفاته، إلّا أنها بقيت لسنوات دون تسجيل. لاحقًا، قدّمها عبد الوهاب بصوته، وخلال التحضيرات سمح استثنائيًا للإعلامي مفيد فوزي بحضور بروفة العمل، في خطوة نادرة، أشار خلالها إلى أن ما يجري داخل الاستوديو يتضمّن تفاصيل لا يفضّل كشفها عادةً.
وتتضمّن سيرته أيضًا مفارقات لافتة، من بينها حادثة في طفولته أُعلن خلالها عن وفاته قبل أن يستعيد وعيه، وهو ما ارتبط لاحقًا بوصفه "ابن موت"؛ إلى جانب الجدل المستمرّ حول تاريخ ميلاده.

مسيرة ممتدّة وتكريم واسع

إلى جانب الغناء والتلحين، شارك عبد الوهاب في عدد من الأفلام السينمائية، وتولّى أدوارًا نقابية، منها رئاسة نقابة الموسيقيين في مصر. وخلال مسيرته، حصل على عدد من الأوسمة والتكريمات، من أبرزها "نيشان النيل"، وهو من أعلى الأوسمة التي تُمنح في مصر تقديرًا للإسهامات البارزة؛ إلى جانب وسام الاستحقاق والدكتوراه الفخرية الي مُنحت له من أكاديمية الفنون تقديرًا لمسيرته العظيمة. كما مُنِح لقب "فنان عالمي" من جمعية المؤلّفين والملحّنين في باريس، في إشارة إلى حضوره خارج الإطار المحلّي، وحصل على "الأسطوانة البلاتينية"، وهي جائزة تُمنح للفنّانين الذين تحقّق أعمالهم انتشارًا واسعًا من حيث المبيعات.
توفّي عبد الوهاب في الرابع من أيار عام 1991 إثر جلطة دماغية، وشُيّعت جنازته في مراسم رسمية عكست مكانته الفنية.

إرثٌ يتجاوز الزمن

بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، لا يُستعاد محمد عبد الوهاب كاسمٍ في تاريخ الغناء فحسب، بل كجزء من مرحلة شكّلت تحوّلًا في مسار الأغنية العربية، ولا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. هي مسيرةٌ جمعت بين التراث والانفتاح، أعادت تعريف إمكانات هذا الفنّ ووسّعت أدواته، وقدّمت صيغةً موسيقية ظلّت مرجعًا لِما تلاها من تجارب.