أعلنت روسيا، أنها لا تزال منفتحة على إجراء محادثات تتعلق بالأمن الاستراتيجي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها ستتعامل بحزم مع أي تهديدات جديدة، وذلك تزامنًا مع انتهاء سريان آخر اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة للحد من الأسلحة النووية، ما يُنهي أكثر من خمسين عامًا من القيود المفروضة على الترسانات النووية الاستراتيجية للطرفين.
ومع حلول نهاية يوم أمس، انتهت رسميًا معاهدة "نيو ستارت"، التي كانت تنظم عدد الصواريخ والرؤوس النووية المنشورة لدى الجانبين. وأفادت موسكو بأن واشنطن لم ترد على مقترح تقدم به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يقضي بمواصلة الالتزام بقيود المعاهدة لمدة عام إضافي.
وفي بيان رسمي، عبّرت وزارة الخارجية الروسية عن استيائها من الموقف الأمريكي، معتبرة أن المقترحات الروسية "تُقابل بالتجاهل المتعمّد"، ووصفت هذا النهج بأنه "خاطئ ومؤسف"، في إشارة إلى غياب أي تجاوب دبلوماسي في اللحظة الأخيرة.
ويرى خبراء في الشؤون الأمنية أن انتهاء العمل بالمعاهدة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، قد تتسم بسباق تسلح نووي متجدد، خصوصًا في ظل التوسع المتسارع للقدرات النووية الصينية، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي العالمي.
وبغياب أي إطار قانوني ملزم، تصبح روسيا والولايات المتحدة غير مقيدتين بعدد الصواريخ أو الرؤوس النووية التي يمكن نشرها مستقبلاً، رغم أن تنفيذ زيادات كبيرة في الترسانة النووية يتطلب وقتًا طويلًا ويواجه تحديات سياسية ولوجستية معقدة.
حزم محسوب ورسائل متناقضة
ويحذّر محللون من أن غياب اتفاقية تضمن الاستقرار وإمكانية التنبؤ قد يصعّب على كل طرف تقييم نوايا الطرف الآخر، ما قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من التصعيد، تُبنى على أسوأ السيناريوهات والافتراضات الأمنية.
ورغم لهجته المنتقدة، سعى البيان الروسي إلى إظهار قدر من التوازن بين التشدد وضبط النفس، إذ أوضح أن موسكو ستتعامل مع المرحلة المقبلة "بمسؤولية وحذر"، استنادًا إلى تقييم شامل للسياسة العسكرية الأمريكية والبيئة الاستراتيجية الدولية.
وفي المقابل، أكد البيان أن روسيا تحتفظ بحق اتخاذ "إجراءات عسكرية وتقنية مضادة وحاسمة" إذا ما رأت أن أمنها القومي يواجه تهديدات إضافية.
في الولايات المتحدة، جدّد الرئيس دونالد ترامب دعوته إلى إشراك الصين في أي مسار مستقبلي للحد من التسلح النووي، متسائلًا عن جدوى استمرار سباق إنتاج أسلحة قادرة على تدمير العالم مرات عدة. وأفاد البيت الأبيض بأن الرئيس سيحدد الخطوات المقبلة في هذا الملف "وفق جدوله الزمني الخاص".
دعوة أخلاقية لتفادي التصعيد
وقبيل انتهاء صلاحية المعاهدة، وجّه بابا الفاتيكان نداءً عاجلًا للطرفين، دعا فيه إلى عدم التخلي عن القيود التي نصت عليها الاتفاقية. وقال البابا ليو، خلال لقاء أسبوعي في الفاتيكان، إن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز منطق الخوف وانعدام الثقة، واستبداله بمنظومة أخلاقية مشتركة تُوجّه القرارات نحو الصالح العام للبشرية.
من جانبه، أوضح خبير شؤون الأسلحة النووية مات كوردا أن غياب الاتفاقية يمنح كلًا من موسكو وواشنطن حرية توسيع ترساناتهما النووية إذا رغبتا في ذلك، مشيرًا إلى أن كلا الطرفين سيكون قادرًا، نظريًا، على إضافة مئات الرؤوس النووية إلى صواريخه وقاذفاته الثقيلة.
وأضاف أن هذا السيناريو، في حال تحققه، قد يؤدي إلى مضاعفة حجم الترسانات النووية الحالية تقريبًا، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن انتهاء المعاهدة لا يعني بالضرورة اندلاع سباق تسلح فوري، نظرًا للتكلفة العالية والتعقيدات المرتبطة بتطوير ونشر الأسلحة النووية.


