كشفت دراسة جينية ومخبرية واسعة النطاق، نُشرت نتائجها أمس الجمعة في مجلة "نيتشر" العلمية، عن حقائق قد تُحدث ثورة في طرق علاج ملايين المرضى النفسيين حول العالم. وأظهر البحث أن العديد من الحالات التي تُصنف حالياً كأمراض منفصلة تشترك في متغيرات جينية متشابهة، مما يفتح الباب أمام تغيير جذري في التشخيص يعتمد على البيولوجيا بدلاً من الاكتفاء بمراقبة السلوك الظاهري للمريض.
تكمن أهمية هذه الدراسة في قدرتها على تخفيف العبء عن المرضى الذين يحملون تشخيصات متعددة ويضطرون لتناول كميات كبيرة من الأدوية المختلفة. وبحسب البيانات، فإن أكثر من نصف المرضى النفسيين يتم تشخيصهم باضطراب ثانٍ أو ثالث، وهو ما وصفه الباحثون بـ "الخطأ الطبي" في حال ثبت أن المصدر البيولوجي للمرض واحد، تماماً مثل تشخيص أعراض الرشح والسعال كأمراض منفصلة بدلاً من تشخيصها كإنفلونزا.
تصنيفات جديدة للاضطرابات النفسية
استند الفريق العلمي الدولي في بحثه الذي استغرق خمس سنوات إلى تحليل السجلات الطبية والجينية لأكثر من مليون شخص مصاب بـ 14 اضطراباً نفسياً، مقارنة بـ 5 ملايين شخص من الأصحاء. وخلصت النتائج إلى أن هذه الاضطرابات تقع ضمن خمس فئات أساسية تشمل: اضطرابات تعاطي المواد، والظروف الداخلية (مثل الاكتئاب والقلق)، والاضطرابات العصبية النمائية (مثل التوحد)، والاضطرابات القهرية، وفئة خامسة تجمع بين الفصام واضطراب ثنائي القطب.
وبينت الأرقام أن اضطراب ثنائي القطب والفصام يتشاركان نحو 70% من المحركات الجينية نفسها، مما يفسر سبب استجابة حالات متنوعة لنفس النوع من الأدوية أحياناً. كما حدد الباحثون "نقطة ساخنة" على الكروموسوم 11، تضم مجموعة جينات ترفع مخاطر الإصابة بثمانية اضطرابات مختلفة، ومن ضمنها جين "DRD2" الذي ينظم مادة الدوبامين المسؤولة عن الحالة المزاجية والتركيز.
نحو مستقبل الطب النفسي المخصص
أشار الخبراء إلى أن الاعتماد على السلوك فقط في التشخيص قد يكون مضللاً، حيث استشهد الباحثون بحالة توأمين متطابقين جينياً، شُخص أحدهما بالفصام والآخر باضطراب ثنائي القطب نتيجة اختلاف طريقة ظهور الأعراض خارجياً. ويرى "سكوت أرونسون"، كبير المسؤولين العلميين في معهد "شيبرد برات"، أن الطب النفسي سيتغير في العقد القادم بفضل هذه البيانات أكثر مما تغير في القرن الماضي بأكمله.
وعلى الرغم من هذا التفاؤل، أكد مختصون أن التطبيق العملي لهذه النتائج في العيادات لا يزال يحتاج إلى وقت، خاصة وأن أغلب البيانات الجينية المتوفرة حالياً تعود لأشخاص من أصول أوروبية. ويسعى العلماء حالياً لتوسيع نطاق الدراسات لتشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعاً لضمان دقة النتائج وتعميم الفائدة من "الطب النفسي الشخصي" القائم على التحليل الجيني الدقيق لكل مريض.


