تجوّل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اليوم، في مدينة سخنين، في ظل تصاعد الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، وبعد سلسلة من جرائم إطلاق النار التي طالت مصالح تجارية ومنازل في المدينة والمنطقة. وأثارت الزيارة ردود فعل متباينة بين من رأى فيها محاولة لإظهار حضور أمني، ومن اعتبرها “استعراضًا إعلاميًا” لا ينعكس على الواقع الأمني المتدهور.
وفي حديث لراديو الناس، قال عمر أبو ريا، صاحب مصلحة تجارية في سخنين، إن زيارة بن غفير إلى محله جاءت بشكل مفاجئ وغير مخطط له، موضحًا أنه فوجئ بانتشار سيارات الشرطة في المكان، قبل أن يتبين له أن وزير الأمن القومي وصل لتفقّد الأوضاع في المدينة.
"محلي تعرض لإطلاق نار 4 مرات"
أبو ريا: "لا يهمني من يأتي، المهم أن يكون هناك حل"
استوديو المساء مع فرات نصار
08:03
ووأضاف أبو ريا أن أهالي سخنين لا يريدون الدخول في سجالات سياسية بقدر ما يريدون العيش بأمان، قائلًا:“مطلبنا واضح: نريد أن نعيش بأمان مثل أي مواطن في الدولة، كما يعيش الناس في تل أبيب ونتانيا وغيرها. الناس تعبت من الضحايا ومن العنف”.
“محلي تعرّض لإطلاق نار 4 مرات”
وتحدث أبو ريا عن تجربته الشخصية مع العنف والجريمة، مؤكدًا أن مصلحته التجارية تعرضت لإطلاق نار أربع مرات، من دون أن يشعر بوجود رادع حقيقي. وقال:“أنا إنسان مسالم، أعمل منذ أكثر من 40 عامًا، ومصلحتي تعرضت لإطلاق نار 4 مرات، ولا يوجد أي رادع”.
وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على الأضرار المادية المباشرة، بل تمتد إلى تراجع الحركة التجارية وفقدان الشعور بالأمان، مضيفًا:"الضرر ليس فقط في الزجاج والملابس والخسائر المالية، بل في أن الناس لم تعد تأتي إلى سخنين، ولم تعد تدخل إلى محلاتنا، والعمل تراجع بشكل كبير. وصلنا إلى طريق مسدود”.
وأوضح أن أصحاب المصالح في المدينة يعيشون حالة قلق يومية، في ظل خوف الزبائن من الوصول إلى المحلات، وتراجع الحركة التجارية، وتراكم الخسائر بعد كل حادث إطلاق نار أو تهديد.
“لا يهمني من يأتي… المهم أن يكون هناك حل”
وعن موقفه من زيارة بن غفير، قال أبو ريا إن القضية بالنسبة له لا تتعلق بهوية المسؤول الذي يصل إلى سخنين، بل بقدرته على تقديم حل فعلي للأزمة. وأضاف:“لا يهمني إن جاء بن غفير أو غيره، رئيس الحكومة أو رئيس الدولة. نحن نريد حلًا. نحن ضد العنف، وضد السلاح، وضد إطلاق النار، وفي الوقت نفسه نريد تعاملًا محترمًا وعادلًا”.
وأكد أنه قال للوزير خلال الزيارة إن المطلوب من الشرطة هو القيام بدورها في جمع السلاح غير القانوني وملاحقة مطلقي النار، لا مطالبة المواطنين بتقديم الأدلة. وقال:“قلت له: أنتم من يجب أن تعالجوا هذه القضية. أنتم من يجب أن تجمعوا السلاح غير القانوني. نحن لسنا شرطة، ولسنا أصحاب أجهزة متطورة. دور الشرطة أن تبحث عن الأدلة وتلاحق الجريمة”.
وانتقد أبو ريا مطالبة المواطنين بجمع الأدلة، معتبرًا أن ذلك يعكس خللًا في أداء الشرطة، مضيفًا:“عندما يحدث إطلاق نار، على الشرطة أن تتحرك وتجمع الأدلة. هل يُطلب مني أنا، صاحب المحل، أن أركض لجمع الأدلة؟ ما هو دور الشرطة إذن؟”.
دعوة إلى تحرك جدي لا إلى “استعراضات”
وشدد أبو ريا على أن سكان سخنين وأصحاب المصالح لا يريدون “استعراض قوة” أو تصريحات إعلامية، بل خطة واضحة ونتائج ملموسة على الأرض. وقال:“فرد العضلات لا ينفع، والتصريحات الرنانة لا تنفع. إذا أرادت الشرطة أن تعمل، فلتعمل. نحن نريد أمنًا وأمانًا”.
وأضاف أن المسؤولية لا تقع فقط على الشرطة ووزير الأمن القومي، بل أيضًا على القيادات السياسية العربية واليهودية وأعضاء الكنيست، داعيًا الجميع إلى التدخل لمساعدة الناس. وقال:"نطلب من الشرطة، ومن وزير الأمن القومي، ومن أعضاء الكنيست العرب واليهود، أن يأتوا ويساعدونا. لا توجد لدينا حلول. لقد تدمرنا اقتصاديًا، فاشعروا بنا”.
وتابع:“نحن لا نستطيع أن نكون شرطة. نحن أصحاب مصالح، نريد أن نعيش ونحمي أبناءنا ومستقبلهم. تعبنا من الخوف، وتعبنا من إعادة ترميم المحلات بعد كل حادث إطلاق نار”.
أزمة أعمق من زيارة واحدة
ويرى أبو ريا أن الأزمة الأمنية في سخنين والمجتمع العربي لا يمكن اختزالها بزيارة بن غفير، معتبرًا أن المشكلة أعمق من شخص واحد. وقال:“شرطة إسرائيل كانت موجودة قبل بن غفير وستبقى بعده. لا نريد أن نلعب سياسة. في النهاية نريد نتائج”.
وأشار إلى أن الشرطة، عندما تكون حاضرة بشكل جدي، تستطيع تحقيق نتائج، حتى وإن لم تكن كافية حتى الآن. وأضاف:“في الأحداث الأخيرة التي كانت الشرطة موجودة فيها، كانت هناك نتائج، لكنها غير كافية. إذا شدّوا حيلهم، يمكن أن يحققوا نتائج أفضل ويريحونا”.
“لم نعد نفكر بالمستقبل… نريد الأمان أولًا”
وفي واحدة من أكثر العبارات تعبيرًا عن حجم القلق في المدينة، قال أبو ريا إن الناس لم تعد تفكر كما في السابق بالتعليم أو التخطيط أو البناء أو مستقبل الأبناء، لأن الهاجس الأمني بات يطغى على كل شيء. وأضاف:“أبناؤنا على مشارف سن 25 و30 عامًا، ونريد أن نبني لهم ونزوجهم. لكننا لم نعد نفكر بالبناء ولا بالمستقبل ولا بالتعليم ولا بالتربية. اليوم نريد أمنًا وأمانًا”.
وتعكس شهادة أبو ريا حالة واسعة من الغضب والإنهاك داخل المجتمع العربي، حيث يرى كثيرون أن الجريمة لم تعد مجرد حوادث متفرقة، بل واقعًا يضرب الاقتصاد المحلي، ويهدد الحياة اليومية، ويدفع الناس إلى فقدان الثقة بقدرة الدولة والشرطة على توفير الحماية.
وبين زيارة بن غفير المفاجئة، وانتقادات من يراها “استعراضًا إعلاميًا”، ومطالب أصحاب المصالح بتحرك فعلي، يبقى السؤال مطروحًا في سخنين وغيرها من البلدات العربية: هل تتحول الزيارات والتصريحات إلى خطة أمنية حقيقية، أم تبقى الجريمة أقوى من كل الوعود؟



