دخلت المفاوضات الأميركية–الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحوّل تأخر الرد الإيراني على مسودة التفاهم إلى عامل ضغط جديد يهدد بإرباك المسار التفاوضي برمّته، وسط مؤشرات على تشدد أميركي متزايد، وقلق إسرائيلي من تداعيات أي اتفاق محتمل على الملف النووي الإيراني والجبهة اللبنانية.
وبحسب معطيات متداولة من مصادر مطلعة على المباحثات، فإن مجتبى خامنئي، الذي يوصف بأنه صاحب الكلمة الحاسمة داخل هرم السلطة الإيرانية، لم يمنح حتى الآن موافقته على مسودة مذكرة التفاهم التي توصل إليها المفاوضون من الجانبين الأميركي والإيراني، رغم الاتفاق على خطوطها العريضة بين كبار المسؤولين المعنيين بالملف.
ترامب يشدّد شروطه… والاتفاق يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا
في المقابل، جاء الرد الأميركي عبر تشديد شروط التفاهم. ووفق المصادر، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدخال تعديلات إضافية على المسودة بعدما تصاعد استياؤه من استمرار الانتظار من دون رد إيراني واضح، رغم أن المذكرة كانت قد صيغت بعد جولات تفاوض قادها مبعوثون مقربون من البيت الأبيض.
هذا التطور لا يهدد فقط بإبطاء التفاوض، بل يفتح الباب أمام احتمال إعادة خلط الأوراق في مسار يوصف أصلًا بأنه هشّ ومعقد، خصوصًا أن الخلاف لم يعد يقتصر على التفاصيل التقنية، بل بات يمسّ جوهر الثقة السياسية بين الطرفين.
ما الذي تتضمنه مسودة التفاهم؟
بحسب المصادر التي اطلعت على الوثيقة، لا يدور الحديث عن اتفاق نهائي شامل، بل عن مذكرة مبادئ مؤقتة تهدف إلى وقف الحرب وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات بشأن تسوية أوسع وأكثر تفصيلًا.
وتشمل المسودة عدة بنود مركزية، أبرزها:
وقف الحرب والتصعيد الإقليمي، بما يشمل الساحة اللبنانية.
إطلاق مفاوضات تمتد لـ60 يومًا قابلة للتمديد للتوصل إلى اتفاق نهائي.
إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا ورفع بعض القيود البحرية المفروضة على إيران.
معالجة الملف النووي الإيراني ضمن المرحلة اللاحقة من التفاوض، من دون آليات تنفيذية واضحة في النص الحالي.
إفراج تدريجي عن أصول وأموال إيرانية مجمّدة وفق تقدم المحادثات.
بحث رفع العقوبات الأميركية ضمن إطار الاتفاق النهائي المحتمل.
لكن أكثر النقاط إثارة للجدل تكمن في الشق النووي؛ إذ تشير المصادر إلى أن المسودة لا تتضمن التزامات تفصيلية واضحة حول تفكيك القدرات النووية الإيرانية أو مصير اليورانيوم المخصب، بل تؤجل هذه الملفات إلى المفاوضات المقبلة.
لبنان وحزب الله… بند قد يغيّر قواعد اللعبة
من بين البنود ذات الحساسية العالية، يبرز البعد اللبناني في التفاهمات المقترحة. فبحسب المعلومات المتداولة، فإن وقف التصعيد المقترح لا يقتصر على العلاقة الأميركية–الإيرانية، بل يمتد أيضًا إلى الجبهة اللبنانية.
وهذه النقطة تحمل انعكاسات مباشرة على إسرائيل، إذ قد تعني ــ في حال إقرار التفاهم ــ تقييد هامش المناورة العسكرية الإسرائيلية تجاه حزب الله خلال فترة قصيرة.
وترى بعض التقديرات أن التصعيد الإسرائيلي المتزايد مؤخرًا في لبنان قد يرتبط جزئيًا بمحاولة فرض وقائع ميدانية قبل دخول أي تفاهمات جديدة حيّز التنفيذ، في ظل ضغوط داخلية إسرائيلية تدفع نحو مقاربة أكثر تشددًا تجاه حزب الله.
إسرائيل تتحرك… وتخشى “هدنة بلا حل”
القلق الإسرائيلي لا يقتصر على الملف اللبناني. فوفق مصادر مطلعة، تعمل جهات إسرائيلية على إقناع الإدارة الأميركية بأن الاتفاق المطروح لا يقدّم معالجة حقيقية للبرنامج النووي الإيراني، وأنه قد يؤدي عمليًا إلى وقف القتال وتخفيف الضغوط عن طهران، من دون معالجة الأسباب التي أدت أصلًا إلى اندلاع الأزمة.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، تكمن الخطورة في احتمال الوصول إلى صيغة تشبه "هدنة طويلة الأمد":
هدوء نسبي، فتح مضيق هرمز، تخفيف تدريجي للعقوبات، وتحرير أموال إيرانية… لكن من دون تفكيك واضح للبنية النووية الإيرانية أو حسم ملف التخصيب.
هل ينهار المسار قبل أن يبدأ؟
مع استمرار غياب الرد النهائي من طهران، يزداد خطر دخول المفاوضات في دائرة التعقيد. فكل يوم تأخير يمنح خصوم الاتفاق ــ في واشنطن، طهران، وتل أبيب ــ مساحة أوسع للضغط، والتسريبات، والمناورات السياسية. كما أن أي حادث أمني أو تصعيد عسكري محدود، خصوصًا على الساحة اللبنانية، قد يكون كفيلًا بتقويض التفاهمات قبل تثبيتها رسميًا.
وفي المحصلة، لم تعد القضية محصورة بسؤال: هل سيوافق مجتبى خامنئي على المسودة؟
بل بات السؤال الأوسع: حتى لو جاءت الموافقة… هل نحن أمام بداية طريق نحو اتفاق يقيّد المشروع النووي الإيراني، أم أمام وقف إطلاق نار واسع يمنح الأطراف هدنة مؤقتة من دون حلّ جذري للصراع؟



