ما وراء العنصريّة - استراتيجيّة اليمين للبقاء في الحكم

خلال الشهر الأخير، يتصاعد التحريض ضدَّ المواطنين العرب على امتداد مختلف الجبهات، وبحدَّة لا أذكر أنّي شهدتُ مثلها من قبل. ولهذا هدف واحد واضح: منع تداول السلطة - مقال رأي لرون جيرليتس

|
1 عرض المعرض
رون جيرليتس
رون جيرليتس
رون جيرليتس
(تصوير خاص)
"هناك عدد كبير جدًّا من سائقي الحافلات العرب الّذين يتعمَّدون إغلاق المفارق لإحداث اختناقات مروريّة... ظاهرة السائقين العرب الّذين يكنّون لنا العداء، والّذين ينقلون أحيانًا 50 أو 100 شخص داخل حافلة كبيرة، هي قنبلة موقوتة"، قال اثنان من المشاركين في إحدى حلقات النقاش على القناة 14، ضمن مشهد تحريضي عنصري مقزِّز ضدّ المواطنين العرب.
أعمل منذ قرابة 20 عامًا في المجال اليهودي - العربي. خلال الشهر الأخير، يتصاعد التحريض ضدَّ المواطنين العرب على امتداد مختلف الجبهات، وبحدَّة لا أذكر أنّي شهدتُ مثلها من قبل. ولهذا هدف واحد واضح: منع تداول السلطة.
التحريض ضدَّ العاملين العرب في القطاع الصحي آخذ في التصاعد على شبكات التواصل الاجتماعي منذ حادثة مستشفى رمبام. ويجري تداول مقطع فيديو لأحد المؤثِّرين المحسوبين على اليمين المتطرّف، يدّعي فيه: "من لا نثق به لحمل السلاح، لا نثق به لحمل حقنة"، فيما تحوّلت الاعتداءات العنيفة على سائقي الحافلات العرب إلى مشهدٍ اعتيادي، يرافقه خطاب تحريضي يصوّرهم على أنّهم مصدر تهديد.
كما يتجدّد التحريض ضدَّ الطلّاب الجامعيّين العرب، بزعم أنّهم يحظون بشروطِ قبولٍ أكثر تساهلًا، وبهذا فإنّهم يستحوذون على مقاعد الطلّاب اليهود (وهذا ادّعاء كاذب). ويتجدّد كذلك التحريض ضدَّ المعلِّمات ومربّيات رياض الأطفال العربيّات العاملات في جهاز التربية والتعليم العبري، حيث تُنشَر ضدَّهن منشورات على شبكات التواصل. وقد تلقّى أهالٍ يهود رسالة نصيّة من مصدر مجهول جاء فيها: "يهود؟ لديكم مربّية أو مساعدة عربيّة في الروضة؟ أبلِغونا". بالنسبة إلى بعضهم، دقَّ جرس هذا العام معلنًا افتتاح موسم الصيد، بعيدًا عن بدء العام الدراسي!
في كلِّ ساحةٍ وميدان، يحاولون من جديد ترسيخ التصوُّر ذاته: المواطن العربي ليس جارًا، ولا طبيبًا، ولا سائقًا، ولا معلّمًا، ولا طالبًا جامعيًّا - إنّه مصدر تهديد. هذه ليست سلسلةً من حوادث منفصلة، وإنّما هي حملة منظَّمة. وفقًا لمنطق أولئك العنصريّين، الحديث هنا لا يدور عن مواطنين يؤدّون خدمات حيويّة ضمن وظائف وأعمال شاقّة لقاء أجور متدنِّيَة، وإنّما عن خطر حقيقي.
والتحريض، بطبيعة الحال، يأتي أيضًا من الأعلى. وزير الماليّة سموتريتش من حزب الصهيونيّة الدينيّة، نشر مقطع فيديو مقزّزًا، هدّد فيه عرب الجليل بأن يفعل بهم ما فعله بالفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة. نعم، وزير رفيع المستوى في الدولة يهدِّد أقلّيّة قوميّة بتضييق حيّزها المعيشي. وإذا أعاد ذلك إلى ذاكرتكم شيئًا من تاريخ يهود أوروبا في ثلاثينيّات القرن الماضي، فذاكرتكم في محلّها. حتمًا تذكرون أيضًا كيف انتهى الأمر هناك!
ولا بدَّ من قولٍ بديهي بات واضحًا وضوح الشمس: نحن أمام عنصريّة مروِّعة، وأمام جحود ونكران للجميل تجاه المواطنين العرب، الّذين رغم كلّ شيء، يندمجون في المجتمع والاقتصاد، ويحملون على أكتافهم منظومات حيويّة، مثل جهاز الصحّة، ومنظومة المواصلات، وفي مناطق معيّنة من البلاد أيضًا منظومة التربية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكِّرَة، وهي منظومات ستنهار حتمًا إن لم يكن للعرب دور في تفعيلها.
هذا الهجوم العنصري على العرب ليس بظاهرة جديدة. فقد كتبتُ قبل عقدٍ من الزمن أنّها لا تنحصر بكونها عنصريّة "عاديّة" تجاه أقليّة قوميّة، وإنّما هي أيضًا ردّ فعلٍ مضادٍّ من اليمين المتطرّف على تعاظُم قوّة المجتمع العربي وتنامي اندماجه في المجتمع والاقتصاد في إسرائيل. منذ ذلك الحين، شقَّ بن غفير طريقه من هامش السياسة إلى الحكومة والكابينيت، فيما بات حزب الليكود يجمع بين صفوفه كهانيّين ينافسونه في التحريض ضدَّ العرب. كما تعمل القناة 14 وشبكات اليمين المتطرّف على تأجيج روح الكراهية تجاه العرب لدى شرائح آخِذَة في الاتّساع داخل المجتمع الإسرائيلي.
جوهر هذا الهجوم يكمن في غايته: منع تشكيل ائتلاف حكومي بعد الانتخابات بحيث يكون حزب عربي جزءًا شريكًا فيه. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من صناعة تصوُّر يقدِّم المواطنين العرب بوصفهم أعداء.
لقد ألحقت عقودٌ من محاولات نزع الشرعيّة عن القوّة السياسيّة للعرب ضررًا هائلًا بالطريقة الّتي ينظر بها الشارع اليهودي إلى العرب وإلى قياداتهم السياسيّة، لكنّها أخفقت في منع تشكيل ائتلاف مع حزب عربي في حزيران 2021، وهو الائتلاف الّذي نجح في إقصاء نتنياهو عن الحكم للمرّة الوحيدة منذ عام 2009 ولغاية اليوم.
ولهذا انتقلوا الآن إلى هجومٍ مزدوج على جبهتين متكاملَتَيْن. أوّلًا، يواصلون بكلِّ قوّة ترويج الأكاذيب والافتراءات التحريضيّة ضدّ القيادة السياسيّة العربيّة: يوسف جبّارين، منصور عبّاس، أحمد طيبي، وسامي أبو شحادة، وفقًا لهذا الخطاب، لا يُقدَّمون بوصفهم قيادات مدنيّة وسياسيّة شرعيّة، وإنّما هم جميعهم "داعمو إرهاب".
ومع اقتراب انتخابات الكنيست، يُضيفون إلى ذلك حملة تهدف إلى تصوير جميع المواطنين العرب كأعداء. أمّا احتمال أن يُشعِلوا هنا موجةً واسعة من العنف الأهلي، وأن تسيل الدماء في الشوارع، فلا يردعهم ذلك ولا يعنيهم. بل وأكثر من ذلك، بعضهم يسعى إلى هذا السيناريو علنًا وصراحةً.
لم يبقَ أمام المعسكر الديمقراطي الليبرالي في الجانب اليهودي سوى خيارَيْن لا ثالث لهما: إمّا الانخراط والتماهي مع حملة التحريض المركَّبَة هذه، ومواصلة مقاطعة الأحزاب العربيّة، بما ينطوي عليه من مخاطَرة بإبقاء الحكم على حاله، أو بدلًا من ذلك، احتقار هذه الحملة، والقيام بأبسط ما تقتضيه الديمقراطيّة الليبراليّة: تشكيل حكومة تستند إلى أغلبيّة مواطني الدولة، دون تمييز على أساس الدين أو العِرق أو الجنس.
ولدى الجمهور العربي أيضًا قوّة للحدِّ من نفوذ العنصريّين. المشاركة الواسعة للمجتمع العربي في التصويت من شأنها أن تُقصي نتنياهو واليمين المتطرِّف عن الحكم، وقد تُبقي أيضًا بعض أحزاب اليمين المتطرِّف دون عبور نسبة الحسم وخارج الكنيست. هذه تكون استجابة مدنيّة ديمقراطيّة جديرة وفعّالة من جانب المجتمع العربي في مواجهة القوى العنصريّة في إسرائيل، والّتي قامت أصلًا لاستهدافه والمساس به.
لكنَّ مسار الإصلاح لا يكتمل فقط بإقصاء اليمين المتطرِّف عن الحكم، بل ينبغي أن يمتدَّ ليصل أيضًا إلى القلوب الّتي سمّمتها سنوات طويلة من التحريض. ففي نهاية المطاف، لا يُقاس المجتمع الديمقراطي فقط بمن يجلس شريكًا في الحكومة، وإنّما أيضًا بقدرته على أن يرى خُمس مواطنيه شركاء حقيقيّين في المواطنة والحياة.
الكاتب: رون جيرليتس، المدير العام لمركز أكورد - علم النفس الاجتماعي للتغيير المجتمعي