قالت وزارة الخارجية القطرية، تعقيبًا على زيارة رئيس الوزراء القطري إلى طهران، إن قطر وإيران ناقشتا مقترحًا لوضع إطار عمل مرحلي يتضمن إنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت مع سلطنة عمان عبر مضيق هرمز، في محاولة لخفض التوتر وتأمين حركة الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ويأتي هذا التحرك في وقت تدخل فيه الحرب مع إيران مرحلة جمود مكلفة، بعد ستة أشهر على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني وإصابة نجله وخليفته بجروح خطيرة. ورغم الحصار الاقتصادي المتزايد، لا تزال القيادة الإيرانية ممسكة بمقاليد الحكم، وتراهن على أن واشنطن لن تذهب حتى النهاية في فرض عقوبات ثانوية صارمة على الدول التي تواصل التعامل اقتصاديًا مع طهران، وفي مقدمتها الصين والهند.
من الحرب العسكرية إلى خنق الاقتصاد
ونقلت الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة جزءًا أكبر من المواجهة من الصواريخ والغارات إلى المجال الاقتصادي، مع استهداف عائدات النفط والقطاع المصرفي وشبكات التجارة التي تساعد إيران على الحصول على العملة الصعبة.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن واشنطن ستعمل على "قطع شرايين التمويل" التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالصمود، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري الذي يفرض قيودًا على صادرات النفط.
لكن دبلوماسيين ومحللين أمريكيين يشككون في قدرة هذه الاستراتيجية على كسر المأزق سريعًا. وقال آرون ديفيد ميلر، الدبلوماسي الأمريكي السابق والزميل في مؤسسة كارنيغي، إن الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تبحث بصعوبة عن مخرج من الوضع الحالي، معتبرًا أن العقوبات الجديدة تعكس حالة ضغط أكثر مما تعكس اقترابًا من حسم الصراع.
إيران تراهن على الاستنزاف
ويرى محللون أن طهران قد تلجأ إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها بدل التراجع، خصوصًا إذا شعرت أن العقوبات تهدد قدرتها على الصمود. وقال مايكل نايتس، مدير الأبحاث في مؤسسة "هورايزن إنجيدج"، إن إيران قد تتجه إلى نموذج استنزاف طويل يقوم على هجمات متقطعة ومفاوضات متقطعة في الوقت نفسه، مع استهداف الملاحة البحرية أو الموانئ أو منشآت الطاقة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وبحسب هذا التقدير، قد تحاول طهران زيادة الضغط على دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، لدفع واشنطن نحو تسوية دبلوماسية، خصوصًا إذا أصبحت كلفة تعطيل الملاحة والطاقة مرتفعة على دول المنطقة.
واشنطن: ميزان القوى يميل لصالحنا
في المقابل، ترفض الإدارة الأمريكية الحديث عن تعثر استراتيجيتها، وتؤكد أن الاقتصاد الإيراني يتدهور وأن قدرات طهران العسكرية تعرضت لضربة قاسية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت إن الرئيس دونالد ترامب "يمسك بجميع الأوراق"، وإن واشنطن تعمل على قطع كل مصدر مالي متبق للنظام الإيراني.
غير أن دبلوماسيين أمريكيين سابقين يلفتون إلى أن العقوبات الحالية تختلف عن الضغوط متعددة الأطراف التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015، إذ تعتمد بصورة أكبر على التهديدات الأمريكية المباشرة، من دون ضمان وجود التزام دولي واسع بتطبيقها.
طهران: العقوبات لن تغير موقفنا
من جهتهم، يستبعد مسؤولون إيرانيون نجاح الاستراتيجية الأمريكية، ويعتبرونها تكرارًا لسياسة "أقصى الضغوط" التي جُربت خلال ولاية ترامب الأولى. وقال مسؤول إيراني كبير إن دولًا مثل الصين لن توقف تعاونها مع طهران فقط استجابة للمطالب الأمريكية، محذرًا من أن زيادة الضغط ستقابل بتغيير في سلوك إيران أيضًا.
ويعتقد مسؤولون في طهران أن أحد أهداف واشنطن هو استغلال تدهور الأوضاع الاقتصادية لإشعال احتجاجات داخلية واسعة، لكنهم يؤكدون أن القيادة الإيرانية سبق أن واجهت حملات ضغط مماثلة واستطاعت البقاء.
وتظهر البيانات الرسمية الإيرانية حجم الأزمة الاقتصادية. فقد بلغ معدل التضخم السنوي 66% في يوليو/ تموز، بينما ارتفعت أسعار المستهلكين بنحو 87.9% مقارنة بالعام السابق، وقفزت أسعار المواد الغذائية 128%.
وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأسبوع الماضي بأن الضغوط الاقتصادية تضاعفت، في وقت تراجعت فيه الإيرادات. ويرى مراقبون أن الخطر الأكبر بالنسبة للحكومة الإيرانية قد لا يكون العقوبات نفسها، بل احتمال تحول الضائقة المعيشية إلى موجة جديدة من الاحتجاجات، خصوصًا بعد احتجاجات سابقة قُمعت بعنف.
هرمز في قلب المأزق
وتبقى دول الخليج في موقع شديد الحساسية بين واشنطن وطهران. فهي تفضل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على اندلاع حرب جديدة، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تحتفظ إيران بقدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والخروج من الأزمة بمظهر المنتصر. وقال عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إن حكومات الخليج لا تعتقد أن العقوبات وحدها قادرة على تغيير سلوك إيران سريعًا، خصوصًا في ظل قدرة القيادة الإيرانية على الاحتفاظ بالسيطرة الداخلية.
وتتقاطع المصالح المتناقضة عند مضيق هرمز: واشنطن تريد من إيران التخلي عن قدرتها على استخدام المضيق كورقة ضغط، وطهران تريد إنهاء الحصار البحري من دون أن تبدو وكأنها استسلمت، فيما تسعى دول الخليج إلى منع انفجار مواجهة جديدة من دون منح إيران انتصارًا سياسيًا.
وفي هذا السياق، يبرز المقترح القطري الإيراني بشأن ممر ملاحي مؤقت مع سلطنة عمان كمحاولة لصناعة حل مرحلي، قد يخفف الضغط على حركة الملاحة ويمنح الأطراف مساحة إضافية للمفاوضات، من دون أن يعني بالضرورة اقتراب نهاية الصراع.

