بعد سنوات كانت تُقاس فيها أدوية التنحيف الجديدة بسؤال واحد تقريبًا: كم كيلوغرامًا يخسر المريض؟ يبدو أن السباق في هذا المجال ينتقل إلى مرحلة جديدة، لا تقتصر على حجم خسارة الوزن، بل تشمل أيضًا مدة تأثير العلاج، طريقة استخدامه، ونوعية الدهون التي يتم التخلص منها.
وخلال المؤتمر السنوي للجمعية الأمريكية للسكري، عُرضت بيانات جديدة لعدد من الأدوية التجريبية لعلاج السمنة والسكري، من بينها حقنة قد تُعطى مستقبلًا مرة واحدة شهريًا بدلًا من مرة أسبوعيًا، ودواء أدى إلى خسارة تقارب ربع وزن الجسم، وآخر ركز على تقليل الدهون العميقة في البطن والدهون المتراكمة في الكبد.
وقال الدكتور ليئور نويمن، المختص في طب العائلة والسكري والسمنة في صندوق المرضى "مكابي"، إن البيانات المعروضة في المؤتمر ما زالت في معظمها من دراسات مرحلة ثانية، تُجرى على مجموعات صغيرة نسبيًا من المرضى، بهدف فحص فعالية الأدوية الجديدة وسلامتها قبل الانتقال إلى مراحل بحث أوسع.
فايزر تدخل المنافسة بحقنة شهرية
إحدى أبرز النقاط التي لفتت الانتباه كانت محاولة شركة فايزر دخول سوق أدوية التنحيف، عبر مادة تجريبية تُعرف باسم "بروفنتيد"، وهي من عائلة أدوية GLP-1، لكن ميزتها المحتملة أنها قد تُعطى مستقبلًا مرة واحدة شهريًا بدلًا من حقنة أسبوعية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن الالتزام بالعلاج يُعد من أكبر التحديات لدى المرضى، إذ إن كثيرين لا يواصلون استخدام حقن التنحيف لفترات طويلة رغم فعاليتها.
وفي سلسلة دراسات سريرية حملت اسم VESPER، أظهرت النتائج أن الدواء أدى إلى خسارة تقارب 16% من الوزن خلال 32 أسبوعًا في إحدى الدراسات، دون أن تظهر مؤشرات على توقف وتيرة الانخفاض. كما أظهر الدواء تحسنًا واضحًا في توازن السكر لدى مرضى السكري من النوع الثاني.
وبحسب الدكتور نويمن، فإن الانتقال من الحقن الأسبوعية إلى الحقن الشهرية قد يحسن التزام المرضى بالعلاج على المدى الطويل، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من المرضى يتوقفون عن استخدام هذه الأدوية بعد أشهر قليلة في الحياة اليومية.
روش: خسارة تصل إلى 22.7% من الوزن
وقدمت شركة روش بيانات عن دواء تجريبي آخر باسم "أنيسبتيد"، يعمل على مسارين هرمونيين هما GLP-1 وGIP، في آلية تشبه إلى حد ما دواء "مونجارو" التابع لشركة إيلاي ليلي.
وشارك في الدراسة 469 بالغًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، وتلقوا جرعات مختلفة من الدواء أو علاجًا وهميًا. وبعد 48 أسبوعًا، خسر المرضى الذين تلقوا الدواء ما يصل إلى 22.7% من وزنهم.
واللافت أن 26% من المرضى الذين تلقوا الجرعة الأعلى خسروا 30% على الأقل من أوزانهم، وهو رقم يعد قويًا في دراسة من المرحلة الثانية. كما خرج أكثر من نصف من تلقوا جرعات أعلى من 8 ملغ من تعريف السمنة، أي انخفض مؤشر كتلة الجسم لديهم إلى أقل من 30.
وقال الدكتور نويمن إن الأرقام "مثيرة للاهتمام"، خصوصًا أن وتيرة خسارة الوزن لم تظهر علامات واضحة على التوقف حتى نهاية فترة الدراسة، ما قد يشير إلى إمكانية استمرار الانخفاض لو استمر العلاج لفترة أطول.
دواء يستهدف الدهون الأخطر في البطن والكبد
أما شركة بورينغر إنغلهايم، بالتعاون مع زيلاند فارما، فقد عرضت بيانات عن دواء تجريبي باسم "سوربودوتيد"، لا يركز فقط على عدد الكيلوغرامات المفقودة، بل على نوعية الدهون التي تنخفض.
ويعمل الدواء على مساري GLP-1 والغلوكاغون، وهي آلية يُعتقد أنها قد تساعد في تسريع عملية الأيض وتحفيز تفكيك الدهون، خصوصًا الدهون العميقة في البطن والدهون المتراكمة في الكبد.
وأظهرت الدراسة أن الدواء أدى إلى خسارة متوسطة في الوزن بلغت 16.6% خلال 76 أسبوعًا، وهي نتيجة أقل دراماتيكية مقارنة ببعض الأدوية الأخرى، لكنها تميزت بتأثير واضح على الدهون الأخطر صحيًا.
وبحسب فحوصات MRI على مجموعة فرعية من المرضى، انخفضت الدهون الحشوية العميقة في البطن بنسبة وصلت إلى 34%، فيما انخفضت الدهون في الكبد بنسبة وصلت إلى 63.1%.
كما أشارت البيانات إلى أن معظم خسارة الوزن كانت من الدهون وليس من الكتلة العضلية، وهي نقطة مهمة في ظل القلق المتزايد من تأثير أدوية التنحيف طويلة الأمد على الكتلة العضلية.
إيلاي ليلي: خسارة تقارب ثلث الوزن
ومن بين النتائج الأبرز، عرضت شركة إيلاي ليلي بيانات عن دواء تجريبي باسم "ريتاتروتايد"، يعمل على ثلاثة مسارات هرمونية في الوقت نفسه: GLP-1 وGIP والغلوكاغون.
وفي دراسة من المرحلة الثالثة شملت 2339 بالغًا يعانون من السمنة أو زيادة الوزن مع مشكلة صحية مرتبطة بالوزن، خسر المشاركون الذين تلقوا الجرعة الأعلى، 12 ملغ، ما معدله 28.3% من وزنهم خلال 80 أسبوعًا.
كما خسر 45.3% من المرضى في هذه المجموعة 30% على الأقل من وزنهم، وهي نتائج تقرب النقاش من مستويات كانت مرتبطة سابقًا بجراحات السمنة.
وقدمت الشركة أيضًا بيانات من دراسة أخرى شملت مرضى سكري من النوع الثاني، أظهرت أن الدواء خفض مؤشر السكر التراكمي HbA1c بنسبة وصلت إلى 2%، إلى جانب خسارة وزن وصلت إلى 16.8% خلال 40 أسبوعًا.
ورغم قوة النتائج، يؤكد الباحثون أن الدواء لا يزال تجريبيًا وغير مصادق عليه للاستخدام، وأن هناك حاجة إلى متابعة طويلة الأمد لتقييم السلامة والتأثيرات الصحية الأوسع.
أسترازينيكا تطور حبة يومية تنافس الحقن
وفي مسار مختلف، عرضت شركة أسترازينيكا بيانات عن دواء تجريبي باسم "إلكوغليبرون"، وهو حبة يومية من عائلة GLP-1، تسعى الشركة من خلالها إلى منافسة الأدوية القابلة للحقن.
وفي دراسة شملت 310 بالغين يعانون من السمنة أو زيادة الوزن، خسر المرضى الذين تلقوا الجرعة الأعلى 11.8% من وزنهم خلال 36 أسبوعًا، مع استمرار الانخفاض طوال فترة الدراسة.
كما أظهرت دراسة أخرى على مرضى السكري من النوع الثاني أن الدواء ساعد في تحسين توازن السكر، وخفض الوزن بنسبة وصلت إلى 7.7% خلال 26 أسبوعًا.
وتشمل الآثار الجانبية الشائعة لهذه الأدوية اضطرابات في الجهاز الهضمي، مثل الغثيان والإمساك والإسهال، وهي أعراض معروفة في هذه العائلة الدوائية.
نوفو نورديسك وتحضير لدواء جديد
وبالتوازي مع هذه التطورات، تواصل شركة نوفو نورديسك، صاحبة أدوية مثل أوزمبيك وويغوفي، تطوير دواء تجريبي باسم "أميكرتين"، يعمل على مسارين هما GLP-1 وهرمون الأميلين، المرتبط بتنظيم الجوع والشبع في الدماغ.
وأظهرت بيانات سابقة أن النسخة القابلة للحقن من الدواء أدت إلى خسارة 24% من الوزن خلال 36 أسبوعًا، بينما حققت نسخة الحبوب خسارة بلغت 13% خلال 12 أسبوعًا.
وتشير التقديرات إلى أن الدواء قد يدخل مراحل متقدمة من البحث، وإذا نجحت التجارب المقبلة، فقد يحصل على مصادقة لعلاج السمنة في نهاية العقد الحالي.
من خسارة الوزن إلى تقليل المخاطر الصحية
وتعكس هذه البيانات مجتمعة تحولًا في مجال علاج السمنة؛ فالشركات لم تعد تبحث فقط عن دواء يؤدي إلى خسارة أكبر في الوزن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أوسع: هل العلاج أسهل للمريض؟ هل يحافظ على الكتلة العضلية؟ هل يقلل الدهون الأخطر في البطن والكبد؟ وهل ينعكس ذلك على أمراض القلب والسكري والكبد؟
ويقول الدكتور نويمن إن "ثورة علاج السمنة في ذروتها"، مع دخول شركات كبرى جديدة إلى السباق، وظهور أدوية قد تقدم مزايا مختلفة من حيث الفعالية والراحة والالتزام بالعلاج.
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الحماس يجب أن يبقى ضمن إطار علمي حذر، لأن علاج السمنة يحتاج إلى متابعة طويلة الأمد، وسلامة عالية، وتقليل للآثار الجانبية، مع التركيز ليس فقط على نسبة خسارة الوزن، بل على تأثير ذلك في الأمراض المرافقة للسمنة، خصوصًا أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والكبد.
First published: 12:00, 27.06.26


