أظهرت معطيات دائرة الإحصاء المركزية تراجع نسبة البطالة في البلاد، بالتزامن مع انخفاض عدد العاطلين عن العمل بنحو سبعة عشر ألف شخص. غير أن هذا التراجع ترافق مع انخفاض نسبة المشاركة في سوق العمل إلى اثنين وستين فاصل واحد بالمئة، وتقلص عدد الوظائف الشاغرة بنحو ثلاثة آلاف وظيفة، ما يطرح تساؤلات حول دلالة هذه المؤشرات ومدى انعكاسها على فرص التشغيل، خصوصًا في المجتمع العربي.
وفي حديث لراديو الناس، شدد حسام أبو مخ، مدير مراكز "ريان" لدعم التشغيل في المجتمع العربي، على ضرورة قراءة هذه المعطيات مجتمعة، وعدم الاكتفاء بانخفاض البطالة بوصفه مؤشرًا على تحسن سوق العمل. وأشار إلى أن التحولات التكنولوجية وتغير احتياجات المشغلين يفرضان تحديات متزايدة على الباحثين عن عمل، ويعززان الحاجة إلى التأهيل والتوجيه المهني المبكر.
المعطيات العامة وخصوصية المجتمع العربي
حسام أبو مخ: المعطيات العامة وخصوصية المجتمع العربي
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
05:44
وأوضح أبو مخ أن الأرقام المنشورة تتناول سوق العمل على مستوى الدولة، وتشمل المجتمع العربي ضمن الصورة العامة، لكنها، بحسب تقديره، لا تعكس كامل حجم التحديات التي يواجهها الباحثون عن عمل في البلدات العربية.
وقال: "يجب أن نحلل جميع المعطيات. هذه أرقام على مستوى الدولة، وتشمل المجتمع العربي، لكن نسبة البطالة في المجتمع العربي أعلى بكثير من المعدل العام".
ولفت إلى وجود باحثين عن عمل لا يسجلون لدى الجهات الرسمية، معتبرًا أن هذه الفئة تستدعي اهتمامًا خاصًا عند تقييم واقع التشغيل. وأضاف: "ليس كل من يبحث عن عمل مسجلًا لدى مصلحة التشغيل أو التأمين الوطني، ولا تعلم المؤسسات بالضرورة أنه يبحث عن وظيفة. وبحسب مؤشر الفنار، فإن المعطيات أعلى بكثير من الأرقام الرسمية".
وتعكس ملاحظاته الحاجة إلى التمييز بين انخفاض البطالة وبين اتساع فرص التشغيل؛ إذ إن تزامن هذا الانخفاض مع تراجع المشاركة في سوق العمل يستدعي قراءة أوسع لحركة الدخول إلى السوق والخروج منها، إلى جانب متابعة الوظائف المتاحة.
تقلص الطلب يشمل وظائف خدمية وتكنولوجية
وبحسب المعطيات المعروضة في المقابلة، تراجع الطلب على عدد من المهن، بينها عمال المطابخ ومندوبو المبيعات والمهندسون ومطورو البرمجيات، بالتزامن مع انخفاض إجمالي الوظائف الشاغرة.
وأشار أبو مخ إلى أن التراجع شمل أيضًا النادلين والعاملين في المطاعم ومندوبي المبيعات عبر الهاتف. وقال: "يوضح التقرير تراجعًا في وظائف معينة، منها عمال المطاعم والمطابخ ومندوبو المبيعات عبر الهاتف والمهندسون. وقد تراجعت الوظائف المتعلقة بالمهندسين بنسبة سبعة بالمئة، ومطوري البرمجيات بنسبة تسعة بالمئة".
وربط أبو مخ هذه التحولات بالتوسع في استخدام التكنولوجيا، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن ذلك يغير طبيعة الوظائف وحجم الطلب عليها. وأضاف: "التطور التكنولوجي المستمر، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي، يجعل بعض الوظائف المتاحة اليوم غير متاحة مستقبلًا".
وفي هذا السياق، حذر من استمرار التوجه إلى وظائف تقليدية من دون أخذ التحولات الجارية في الحسبان، داعيًا إلى ربط الاختيارات المهنية بالمهارات التي يتطلبها سوق العمل المتغير.
الخدمات الذاتية تغير طبيعة العمل
واستعرض أبو مخ أمثلة من المتاجر ومحلات الوجبات السريعة، حيث باتت الشاشات والتطبيقات ووسائل الدفع الإلكتروني تؤدي مهام كان ينفذها موظفون، من استقبال الطلبات إلى إتمام عمليات الشراء.
وقال: "عندما ندخل اليوم إلى المتاجر ومحلات الوجبات السريعة، نتعامل مع آلات. وكذلك عند استخدام تطبيقات طلب الطعام أو شراء المنتجات من المتاجر، فإننا نتعامل مع أنظمة إلكترونية بدلًا من الأشخاص، وهو ما يقلص الوظائف المتاحة".
وأضاف أن هذه التحولات لا تقتصر على التسوق عبر الإنترنت، بل تشمل المتاجر الفعلية أيضًا، حيث تتوسع إمكانات الشراء والدفع بصورة ذاتية. وأوضح: "نشتري وندفع إلكترونيًا حتى عندما يكون المتجر داخل مبنى، وليس عبر الإنترنت".
ويرى أبو مخ أن هذا الواقع يجعل اكتساب المهارات الجديدة مسألة أساسية للاستعداد للعمل، خصوصًا لدى الشباب المقبلين على اختيار تخصصاتهم الدراسية أو مساراتهم المهنية.
التوجيه المهني يبدأ من المدرسة
ووجه أبو مخ رسالة إلى الأهالي وطلاب المدارس وخريجي المرحلة الثانوية، دعا فيها إلى التفكير المبكر في اختيار المهنة، وإيلاء اهتمام خاص للمواد التي تعزز القدرة على التعامل مع التكنولوجيا.
وقال: "الحديث موجه إلى الأهالي وخريجي المدارس الثانوية والمقبلين على المرحلة الثانوية، كي يحسنوا اختيار المهنة. الدول المتقدمة تشدد على مواد مهمة، مثل الرياضيات بمستوى خمس وحدات، والفيزياء، واللغة الإنجليزية".
وأكد أن التركيز على هذه المواد لا يعني التقليل من قيمة بقية التخصصات، وإنما يرتبط بأهميتها في بناء قاعدة معرفية تساعد الطلاب على الاستعداد لمهن المستقبل. وأضاف: "لا أقول إن بقية المواد غير مهمة، لكن التشديد على هذه المواد يرتبط بمتطلبات المهن المستقبلية".
مهارات الذكاء الاصطناعي تدخل مقابلات العمل
وتطرق أبو مخ إلى دور مؤسسة الفنار ومراكز "ريان" في إعداد الباحثين عن عمل، موضحًا أن التأهيل يشمل مهارات تكنولوجية واستخدامات للذكاء الاصطناعي، في ظل اهتمام المشغلين بقدرة المرشحين على التعامل مع هذه الأدوات.
وقال: "في إعداد الباحثين عن عمل، وفي مقابلات التوظيف داخل المؤسسة، ندخل موضوع الذكاء الاصطناعي والمهارات التكنولوجية ضمن المهارات التي ينبغي اكتسابها، لأن المشغل يسأل اليوم المرشح عن قدراته في هذا المجال".
وشدد على أن المطلوب يتجاوز الاستخدام الأساسي للأدوات الشائعة، مضيفًا: "لا أتحدث عن استخدام تشات جي بي تي فقط، بل عن مهارات أكثر تقدمًا ومستويات أعلى".
ودعا أبو مخ إلى مواكبة التطور بصورة مستمرة، معتبرًا أن الاستعداد لسوق العمل يتطلب تطوير القدرات إلى جانب اختيار التخصص، حتى يتمكن الباحثون عن عمل من الاستجابة لتغير المهن ومتطلبات التوظيف.


