المحكمة العليا لبن غفير: "قسم التحريض" مخيف ويستحضر ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي

جلسة موسعة من تسعة قضاة لمناقشة حدود صلاحيات وزير الأمن القومي في عمل الشرطة، مع طرد وزراء ونواب بعد مقاطعات واتهامات حادة للمحكمة

1 عرض المعرض
بن غفير المحكمة العليا
بن غفير المحكمة العليا
بن غفير المحكمة العليا
(فلاش 90)
شهدت جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية الخاصة بالنظر في الالتماسات المتعلقة بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اليوم، مواقف حادة من جانب القضاة، تمحورت حول سلوك الوزير وخطابه العلني وطبيعة تدخله في عمل الشرطة.
وخلال الجلسة، قال القاضي أليكس شتاين إن ما يوصف بـ"قسم التحريض" في الشرطة، والذي تشير تقارير إلى أنه يتعقب أسماء "مزعجين" قد تشمل متظاهرين ونشطاء سياسيين، يثير مخاوف كبيرة. وأضاف: "تعريف قسم التحريض هذا مخيف حقًا، ويذكّر بمؤسسات موازية كانت قائمة في ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق".
في المقابل، قال ممثل الحكومة في الجلسة، المحامي ميخائيل رافيلو، إن الحكومة مستعدة لاستئناف الحوار مع المستشارة القضائية غالي بهراف ميارا بشأن التوصل إلى صيغة متفق عليها تتعلق بالقيود المفروضة على صلاحيات بن غفير. وأضاف: "باسم رئيس الحكومة ووزير الأمن القومي، نحن مستعدون للعودة إلى الحوار مع المستشارة القضائية بشأن مخطط متفق عليه، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، يمكن أيضًا الاستعانة بالمحكمة".

العليا تستحضر مشاهد من ترابين الصانع

من جهته، وجّه رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت انتقادات مباشرة إلى الوزير، قائلا إن بن غفير "يدعم عناصر الشرطة فقط عندما ينفذون إجراءات ضد طرف معين، كما حدث في ترابين الصانع في النقب، بينما إذا اعتدوا على متدينين يهود في ميرون، فإنهم لا يحظون بالدعم ويتم تعليق عملهم فورًا". وردّ محامي بن غفير، دافيد بيتر، بالقول إن هذا الادعاء "غير صحيح ولم يثبت"، مضيفًا أن هناك أمثلة أخرى تناقض هذا الطرح.
كما تساءل عميت خلال الجلسة عمّا إذا كانت الساحة السياسية قد وصلت إلى مرحلة "تطبيع" الخطاب التحريضي ضد القضاء، وقال مخاطبًا محامي بن غفير: "هل قمنا بتطبيع وضع يقول فيه وزير عن القضاة إنهم أعداء الأمة؟". وردّ بيتر بالإشارة إلى تصريحات قضائية سابقة انتقدت الحكومة، غير أن القاضي خالد كبوب تدخل مؤكدًا أن ما صدر عن بن غفير "لم يكن نقدًا، بل تصريحًا منحطًا"، مضيفًا: "هو لم ينتقد قرارًا قضائيًا، بل أطلق تعبيرًا بذيئًا".

انطلاق جلسة العليا للنظر بمطالب إقالة بن غفير

وانطلقت، اليوم الأربعاء، جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية بهيئة موسعة من تسعة قضاة، للنظر في الالتماسات المطالبة بإقالة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من منصبه، في واحدة من أكثر القضايا حساسية على الصعيدين القضائي والسياسي في إسرائيل. وتُنقل الجلسة مباشرة عبر موقع المحكمة العليا، فيما قرر القضاة، للمرة الأولى، منع دخول الجمهور إلى القاعة مسبقا، باستثناء ممثلي الجهات الملتمسة، ومحامي الأطراف، وأصحاب التصاريح الخاصة، على أن يُسمح كذلك بدخول الوزراء وأعضاء الكنيست.
ومنذ اللحظات الأولى، ساد التوتر أجواء الجلسة، بعدما صرخ نائب الوزير ألموغ كوهين باتجاه رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت قائلا: "أنت الفاسد الأكبر وتعيش في تضارب مصالح"، قبل أن يؤمر بإخراجه من القاعة. وشدد عميت عقب ذلك على أن الجلسة ستُدار من دون مقاطعات أو هتافات، وأن كل من يخل بالنظام سيتم إبعاده.

تصريحات واستفزازات داخل القاعة وخارجها

شهدت الجلسة لاحقا سلسلة من المقاطعات والاحتجاجات، إذ أُخرجت الوزيرة عيديت سيلمان بعد أن صاحت باتجاه رئيس المحكمة العليا بأنها تأمل أن "يساعدنا ترامب ضد انقلابك السلطوي". كما أمر القاضي عميت بإخراج عضو الكنيست تالي غوتليب بعد مداخلات متكررة وتعطيل مجريات الجلسة، فيما رفضت مغادرة القاعة وقالت: "ماذا تفعلون؟ الشعب يراكم". كذلك تم إخراج الوزيرة ماي غولان وعضو الكنيست ليمور سون هار-ميليخ بعد هتافات ضد القضاة، بينها "أنتم ديكتاتورية" و"اخجلوا، يا مجموعة جبناء".
وخارج مبنى المحكمة، تواصلت تظاهرات أنصار الائتلاف دعما لبن غفير، وردد المحتجون شعارات ضد رئيس المحكمة العليا، في مشهد عكس حجم الانقسام السياسي المحيط بالقضية.

جوهر الالتماسات: تسييس الشرطة أم ممارسة صلاحيات؟

تتمحور القضية حول ما إذا كان تدخل بن غفير في عمل الشرطة يندرج ضمن صلاحياته القانونية بوصفه وزيرا مسؤولا عن رسم السياسة العامة، أم أنه تجاوز تلك الحدود إلى تدخل مباشر في العمل الشرطي العملياتي، على نحو تعتبره الجهات الملتمسة والمستشارة القضائية للحكومة مساسا خطيرا باستقلالية جهاز الشرطة.
وتقول المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا إن سلوك بن غفير حوّله عمليا إلى "مفوّض عام فوقي"، متهمة إياه بتجاوز الخط الفاصل بين الإشراف السياسي والإدارة التنفيذية للشرطة، وعرضت، بحسب ما ورد، عشرات الحالات التي عدّتها خروقات مباشرة للقيود التي سبق أن وضعتها المحكمة في هذا السياق.
وفي المقابل، يرفض بن غفير هذه الاتهامات، ويؤكد أن ما يقوم به ينسجم مع التفويض الشعبي الذي حصل عليه، قائلا قبيل الجلسة إن المستشارة القضائية "محقّة" حين تقول إنه يحدد السياسة ويتدخل في التعيينات من أجل تطبيقها. وأضاف أن الجمهور انتخبه "من أجل الحكم" وفرض السياسات، لا ليكون "وزير مراسم" أو "مجرد أصيص".

نقاش قضائي حاد حول خطر تسييس الشرطة

وخلال الجلسة، سأل رئيس المحكمة العليا ممثل الحكومة عما إذا كان موقف رئيس الحكومة يفيد بعدم وجود أي تغيير في "الوضع القائم" في الحرم القدسي، فجاءه الرد بالإيجاب. كما اقترح القاضي نوعام سولبرغ على ممثل الحكومة محاولة تجنب صدور حكم قضائي، عبر عودة بن غفير ورئيس الحكومة والمستشارة القضائية إلى طاولة التفاوض والتوصل إلى وثيقة مبادئ تحدد حدود تدخل الوزير في عمل الشرطة، علما أن تفاهمات سابقة حول وثيقة مشابهة كانت قد انهارت ولم تُوقع.
من جهته، قال القاضي عوفر غروسكوف إن الخطر المطروح في القضية لا يتعلق فقط بخلاف سياسي عابر، بل باحتمال "تسييس الشرطة"، واصفا ذلك بأنه خطر خاص على الديمقراطية. وأضاف أن تسييس أجهزة مثل الشرطة أو الشاباك يختلف جذريا عن أي تسييس في مجالات أخرى، لأن نتائجه قد تمس بقدرة النظام الديمقراطي نفسه على العمل، بما في ذلك إجراء الانتخابات بصورة سليمة.
في المقابل، حذر ممثل الحكومة من أن تدخل المحكمة في هذا الملف قد يجرها إلى قلب الساحة السياسية، وقال متسائلا ما إذا كان كل من "سئم من بن غفير" سيلجأ إلى المحكمة لتفحص أداءه. واعتبر أن هذه القضايا يجب أن تُحسم، في الأساس، داخل الحلبة السياسية وعبر اختبار الجمهور، لا بقرارات قضائية تمس، بحسب رأيه، بجوهر النظام الديمقراطي.

مواقف حكومية: المحكمة تتجاوز صلاحياتها

وفي موازاة الجلسة، صعّد مسؤولون في الحكومة هجومهم على المحكمة. وقال نائب رئيس الحكومة ووزير القضاء ياريف ليفين إن مجرد النظر في قضية إقالة بن غفير يتم "خلافا للقانون"، معتبرا أن أي قرار قد يصدر عن المحكمة "لن تكون له أي صلاحية أو مفعول"، لأن سلطة تعيين الوزراء أو إقالتهم تعود، وفق تعبيره، لرئيس الحكومة وحده.
بدوره، وصف وزير الخارجية غدعون ساعر الجلسة بأنها "خط فاصل" أو "منعطف حاسم"، ودعا المحكمة إلى تجنب ما عدّه مساسا بالديمقراطية وبمكانة المحكمة نفسها. وقال إن طرح إقالة وزير يشغل أيضا رئاسة حزب شريك في الائتلاف، ومن دون ذريعة قانونية كافية، يشكل برأيه ذهابا بعيدا في "النشاط القضائي". كما اتهم المستشارة القضائية بتقديم موقف "متطرف" يهدف إلى فرض مواجهة بين الحكومة والمحكمة العليا.

"تاغ مئير": مؤشرات على جر المحكمة إلى الفوضى

وفي هذا السياق، قالت منظمة "تاغ مئير"، وهي إحدى الجهات الملتمسة، إن جميع المؤشرات تدل على أن بن غفير وأنصاره يسعون إلى تحويل المحكمة العليا إلى ساحة للعنف والفوضى ومنع إجراء نقاش موضوعي في الالتماسات. وأضافت أن اضطرار الملتمسين والمحامين إلى الوصول إلى الجلسة تحت الحراسة وبصورة سرية يكفي، برأيها، لفهم الوجهة التي يقود إليها الوزير.

اختبار جديد للعلاقة بين القضاء والحكومة

تستند الالتماسات إلى سوابق قضائية إسرائيلية معروفة، أبرزها قاعدة "درعي-بنحاسي"، التي أرست في تسعينيات القرن الماضي مبدأ إمكان إلزام رئيس الحكومة بإقالة وزير في ظروف استثنائية. غير أن هذه السابقة واجهت لاحقا تعديلات تشريعية وانتقادات قانونية واسعة، ما يجعل الملف الحالي اختبارا جديدا لمدى صلاحية المحكمة في التدخل بقرار من هذا النوع، خاصة في حالة وزير لم تُقدَّم ضده لائحة اتهام في هذه القضية تحديدا.
First published: 07:46, 15.04.26